“المختارة بنت الهادي” … الحكيمة والشاعرة التي ترتجل الشعر

القهوة في الشعر الملحون، الشعر البدوي الشعبي، البدو الرحل، الجلفة، أولاد نايل، التراث العربي الهلالي الإدريسي، Djelfa, Ouled nail, Les Nomades

بن سالم المسعود

موضوع القهوة في التراث العربي واسع وثري وأحسن من بحث فيه توثيقا وتأصيلا بمنطقة الجلفة هو الشاعر بهناس محمد في مقال مطوّل منشور بموقع “الجلفة إنفو” في جوان 2020 حين جمع فيه عيون الشعر البدوي والقصص والمفردات والروايات عن القهوة … ولهذا لا تكاد تجد أحد كبار العائلة من الأمهات والجدات والآباء والأجداد إلا وعنده رواية أو قصة شعبية أو شعر يحفظه عن القهوة خصوصا في فترة الإحتلال الفرنسي … الإحتلال الذي لم يترك أي شيء إلا وعبث فيه، حتى التموّن بالقهوة … 

ولأن حياة أجدادنا كانت بدوية صرفة فإن معيشتهم كانت تتصف بالتغير في يومياتها وأماكنها والتحايل لتدبير مأكلهم ومشربهم ومراعيهم وبالتالي جاء هذا التنوع في أحداثها والثراء في تراثها … ودائما ما يجد الواحد منا الكثير من القصص لما يجالس كبار عائلته ويسمع منهم ويأخذ عنهم … وهو الحال في تجربتي التي وثّقتُ منها جانبا من قصص نزلة الشيخ لخضر بن عرعار وهو والد جدّتي من أمّي (منشورة يوم 18 أكتوبر 2021) … واليوم سأنتقل للتوثيق من يوميات نزلة والد جدّي وهو “الشيخ المصفى بن المبخوت” المولود سنة 1875 والمتوفى منتصف القرن الماضي، وهو وزوجته من دار الشيوخ ولكنها عاشا حياة البدو الرّحّل.

في عائلتنا كانت الجدة “بن سالم الرابحية بنت بولنوار 1914-2004” تتداول بيتا من الملحون تهيم فيه بالقهوة:

نڤليها ونڤلّل النار عليها *** ونطيّبها وتفوح ريحتها للجار

والجدة “الرابحية بنت بولنوار”، رحمها الله، لم تكن هي الوحيدة التي تروي الشعر بل كان هناك من يفوقها حفظا ونظما للشعر … إنها أم زوجها السيدة الفاضلة “المختارة بنت الهادي” المتوفاة سنة 1945 … في عائلتنا يُروى الكثير عن هذه الجدة الكريمة فهي من قبيلة أولاد بوعبد الله وعاشت حياة البدو المتنقلين مع زوجها “المصفى بن المبخوت” إلى أن توفّيا ببلاد التل بنواحي تيارت ودُفنا هناك في أربعينات القرن الماضي.

كانت السيدة مختارة معروفة بسرعة البديهة وقوة الحافظة والحكمة وفنون الحديث. فهي التي يُروى عنها المثل الشعبي “شبعان يْنط ولا مكسي يْخُط” والمقصود به أن أهم ما يحتاجه الإنسان هو أكل يقوم صُلبه  أي يجعلك تنط وتتحرك وليس المظهر كالكسوة الجديدة التي لا تعني فعلا أنك بخير. 

وهي التي أرضت خالها بإطلاق اسم عائلته على كل أحفادها وذريتهم فصاروا يُعرفون بـ “السناڨر” … ذلك أن خالها، وكان من آل سنڨرة ومنهم أمّها “النخلة بنت شبارة”، قد علم بأن مولودها البكر (المولود سنة 1907) اسمه محمد فعاتبها على أنها لم تسمّ عليه فقالت له بأن اسمه هو محمد وستُناديه “السنڨاري” … فعالجت الموقف بحكمتها وأرضت خالها وما يزال إلى اليوم بالجلفة وقصر الشلالة بعض أفراد عائلة بن سالم، من فرقة أولاد العڨون بن بوعبد الله، يُعرفون بالسناڨر.

ومما يُروى عنها أيضا أنه لما وُلد لها أول حفيد لها من كنّتها “الرابحية بنت بولنوار” وهو “بن سالم عرعار بن محمد” سنة 1931 وكانوا منتجعين في التل بجوار نزلة الشيخ لخضر بن عرعار” ووقتها كان الشيخ امحمد بن قويدر، المكنى عرعار، من آل رزيڨة، على قيد الحياة وكان صاحب وجاهة وبركة ومحل تقدير من كل النزلات المجاورة … فقررت السيدة المختارة أن تطلق اسم أول حفيد لها على اسم شيخ نزلة الرزيڨات … فذهبت إليه لتبشره بميلاد حفيدها بن سالم عرعار (1931-2019) … ففرح الشيخ ووضع يده في جيبه ليعطيها “الباروك” وهو العملة القديمة “دورو” فلم يجد كيس النقود وبحث عنه دون جدوى … فارتجلت أبياتا للتعبير عن هذا الموقف الطريف:

ذا الشيخ ڨلبي يشتيه *** وكلامي حڨ يواتيه

عجبي ما ازين عينيه *** والدّورو راح عليه 

أما حكاية السيدة مختارة مع القهوة فنحن لم نضبط لها تاريخا إن كانت خلال فترة الحرب العالمية الثانية التي صار فيها التموين بالمواد الغذائية بالبطاقة “البون Le Bon” وقد تحدثنا في الجزء الثاني من ثلاثيتنا التاريخية عمّا عاناه الناس آنذاك من فقدان القهوة والزيت والأكل بل وحتى الكفن … أم هل وقعت هذه القصة في عام وباء الحمى الصفراء “التيفيس” أي سنة 1921 أو قبلها!! 

يُروى أن نزلة الشيخ المصفى بن المبخوت كانت في بلاد التل منتجعة وبجوارهم نزلة من قبيلة الأرباع وكان وقتها الناس في قحط ومجاعة شديدين فقدت معهما القهوة حتى رُوي أنه سُمّي “عام العرعار” لأن الناس اقتاتت عليه. 

غادر الرجال إلى السوق من بيت الشيخ المصفى أما بيت لرباع فقد ركب الرجل للتو فرسه “الزرڨة” … فاتجهت “العزوج المختارة” إلى بيت الأرباع وقد حملت معها “برّادة القهوة” لتطلب شيئا منها … فالقهوة مفقودة والفؤاد يشتهيها … أليست هي من تغزل بها شعراء الملحون كما نقل بهناس محمد:

يا قهوة لوكان تتغرسي نحظيك *** نبني عنّك سور شغل البنّـايا

أو كما قال أحدهم مخاطبا القهوة:

يا ريّـاحة التعبان *** (يا عــرّاية المكسي)

ذهبت السيدة مختارة وهي تحمل “البرّادة” و”تشايع بها” من بعيد حتى يُفهم مقصدها لمن يراها ولا يرُدّها … وما إن وقفت على أعتاب خيمة الأرباع حتى فزعت منها صاحبة البيت وقالت لها “ليك لهيه، ليك لهيه” أي “إليك عنّي إليك عنّي” فڨالت لها العجوز “راني جاية نشرب قا في قهيوة” … وهنا وقع ما لم يكن في الحسبان إذ اتضح أن الرجل كان غير بعيد فرجع فجأة وهو يمتطي ظهر “الزرڨة” لتظهر براعة العجوز مختارة أمام هذا الموقف وترتجل ثلاثة أبيات من الملحون كخطاب بينها وبين فرس الرجل …

وقف الرجل بفرسه أمام خيمته وقبالته زوجته والزائرة … نظرت إليه السيدة مختارة ثم إلى الفرس وكأنها تحاورها:

الزرڨة مولاك راكب *** ولاّ راعي كي مرتو

ترد عليها الفرس قائلة:

[هذايا] رُبعي مخَنْتَر *** وارواحي نعطيك نعتو

فتجيبها الشاعرة:

لا تخافي يا ولية *** أنا ع القهوة ندوّر

أعجب الرجل الربعي بالحوار الشعري للعجوز مختارة مع فرسه وفهم مقصدها وعرف شوقها للقهوة فحلف عليها بأن تنزل ضيفة عليهم وأمر زوجته بتحضير القهوة وشربوا … ثم إنه ذهب إلى “الخالفة” وهي الجزء الخلفي للخيمة وكان فيها صندوق الدخيسة فجلب لها منه القهوة والسكر والفلفل الأسود وحلف عليها بأ

هوامش:

ــ موثق هذه القصة هو الأستاذ بن سالم المسعود ابن مصطفى (ت 1986) بن محمد (ت1977) ابن المصفى بن المبخوت والمختارة بنت الهادي

ــ البيت الشعري على لسان الفرس تم ضبطه بمراجعة مع الشاعر بهناس محمد

ــ الأرباع: قبيلة عربية هلالية بدوية من نواحي الأغواط كانت تنتجع مثل قبائل بلاد أولاد نايل ولطالما اشتركوا في الجوار والإنتجاع والتراث والتاريخ.

ـــ عبارة “رُبعي مخنتر“: وجدنا في موقع “موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب” أن مخنتر بمعنى المختبئ أو الداهية … والكلمة “مخنتر” هي اسم مفعول من الفعل “خنتر” وهو ملحق بالرباعي على وزن “فنعل” من أصله “ختر” الذي من معانيه الغدر والنقض والإحتيال … وهو حال الرجل لما رجع على حين غرّة وفاجأ زوجته والشاعرة وهو على صهوة جواده … وهذا له دلالة في الأصل الفصيح للفعل “ختر” والحال هنا هو عنصر المفاجأة في الرجوع إلى خيمته، والله أعلم.

القهوة في الشعر الملحون، الشعر البدوي الشعبي، البدو الرحل، الجلفة، أولاد نايل، التراث العربي الهلالي الإدريسي، Djelfa, Ouled nail, Les Nomades

القهوة في الشعر الملحون، الشعر البدوي الشعبي، البدو الرحل، الجلفة، أولاد نايل، التراث العربي الهلالي الإدريسي، Djelfa, Ouled nail, Les Nomades

 114 المشاهدات,  3 شوهد اليوم

الوسوم:, , , , ,

عدد التعليقات : 1

  1. حسام بن سالم

    باركة الله لك وفيك يا بن العم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *