من مظاهر الحياة ببلاد أولاد نايل خلال العهد العثماني (ج 03)

الجلفة، أولاد نايل، السحاري، العبازيز، بلاد أولاد نايل، العهد العثماني، التراث العربي الهلالي الإدريسي، البادية، سلطة القبيلة، الجلفة، Djelfa, Ouled Nail

سعد بلخيرات/ بن سالم المسعود

إن تاريخ بلاد أولاد نايل خلال العهد العثماني قد وثقته كتابات الرّحالة الأجانب (توماس شو مثلا) وكتب الرحلات الحجازية ومصادر الرواية الشعبية المتواترة والمصادر الفرنسية (مثلا كتابات مارغريت ودوماس وآرنو) وأيضا الكتابات المتأخرة ولعل أهمها ما كتبه الأب فرانسوا دوفيلاري في مؤلفه الشهير “قرون السهوب”. 

لقد عالجنا في الحلقة الأولى من هذا البحث نمط معيشة أهل القصور ثم انتقلنا إلى محاولة فهم الأوضاع الاقتصادية لبلاد أولاد نايل في الحلقة الثانية. وفي هذه الحلقة، الثالثة والأخيرة، سنحاول أن نطرق موضوع الجانب السياسي من حيث بُعديه للسلطة العشائرية وعلاقتها بجوارها وبالسلطة العثمانية القائمة آنذاك.

مصطلح “بلاد أولاد نايل” …

كان أهل المنطقة يضبطون كلامهم ويضعون له مقاصد ودلالات سواء في وصف التضاريس أو تخليد الوقائع التاريخية أو إحالة الإسم على تراث أو حرفة أو معلم عمراني أو ديني أو غيره.

ومصطلح “بلاد أولاد نايل” ورد بصفة صريحة في نص الرحلة الحجية للوزير الإسحاقي عام 1143هـ/1731م عندما تجاوز الركب المغربي الأغواط ودخل منطقة “الحميضة”. وَوُرود هذا المصطلح “بلاد أولاد نايل” يحيل مباشرة على أن الإتحاد القبلي (أو الكونفيدرالية) قد تشكلت في فترة سابقة لسنة 1731.

وقريبا من المصطلح السابق نجد المصطلح الجغرافي “أولاد نايل” الذي وثقه الرحال البريطاني توماس شو قبل الإسحاقي بـ 06 سنوات أي في رحلته إلى الجزائر سنة 1724/1725. وقبلهما ابن خلدون قد ذكر بني نائل الهلاليين الذين عاشوا شرق جبل راشد وهو جبل العمور كما هو معروف.

ولا بأس هنا من التذكير بأن مصطلح “بلاد أولاد نايل” لا يدل على أولاد نايل بل على التحالف القبلي الذي جمعهم بالعرب الإدريسية والهلالية والسليمية وأهل القصور. ومن العادات السائدة آنذاك إطلاق اسم إقليم على القبيلة المتغلبة فيه. فمثلا “بلاد العمور” لا تتعلق فقط بقبيلة “العمور” الهلالية بل يحيل هذا المصطلح على القبائل المتحالفة معها مثل أولاد سيدي بوزيد والعجالات وأولاد ميمون. ونفس الأمر بالنسبة للتحالف القبلي المسمى باسم “أولاد شعيب” في الإقليم الواقع بين جنوب قصر البخاري وصولا إلى طاڨين حيث أنه يضم قبائل أولاد شعيب والمڤان وأولاد الشيخ وأولاد بعيرة وغيرهم.

أحداث سياسية ميزت فترة الحكم العثماني

لم تَخلُ فترة الحكم العثماني ببلاد أولاد نايل من أحداث سببها الموقع الاستراتيجي لهذا الحلف القبلي وهو ما تناولناه بالتفصيل في الجزء الثاني من بحثنا هذا. ونشير هنا أن أهم مراجع ومصادر العهد العثماني التي تناولت بلاد أولاد نايل تتمثل في الدراسة التي نشرها “فيدرمان-أوكابيتان” بالمجلة الإفريقية وكذا كتاب إرنست ميرسيي وأنطوان آرنو وكتب الرحلة مثل “ابن هطال” و”رحلة الوزير الإسحاقي” وغيرها.

تحتفظ هذه الكتب والذاكرة الشعبية ببعض هذه الأحداث لا سيما منها الصدام مع مختلف بايات الدولة العثمانية. مثلما تحتفظ ببعض النزاعات والإغارات بين قبائل بلاد أولاد نايل وما جاورها بسبب المراعي ومصادر الماء وطرق القوافل.

وأقدم نزاع موثق بين أولاد نايل والسلطة العثمانية هو ما ورد في كتاب “الجزائر الأسطورية” للعقيد تروملي وفيه يذكر محاولة الأتراك فرض غرامة سنوية على أولاد نايل وتحديدا في حال حياة “سيدي امحمد بن عبد الرحمان بن سالم” الذي نُرجّح أنه من رجال القرن السابع عشر أي في المائة الثانية للخلافة العثمانية على الجزائر.

ولأن طبيعة النزاع بين قبائل بلاد أولاد نايل ماهي إلا رفض لدفع الضريبة فإن فترة 03 قرون ونصف من العهد العثماني تميزت بتغيرات بين الهدوء والتوتّر في العلاقة بين أولاد نايل والأتراك.

فرغم سيطرة العثمانيين ومدّ نفوذ سلطتهم على بعض أوطان وحواضر بسكرة والأغواط والمسيلة إلا أنهم لم يتمكنوا من بسطها بصفة دائمة على بلاد أولاد نائل.

وعلى سبيل المثال نلاحظ في رحلة الإسحاقي لسنة 1731 أنه يشير إلى العلاقة المتوترة بين شيخ منطقة عبد المجيد “بوزيد العباسي” والأتراك وأنه يأنف حكمهم. ومنه یمكن القول أن مجال منطقة الجلفة خلال العھد العثماني كان خاضعاً لحكم محلي یتزعّمه شیوخ القبائل، وعلاقتهم مع السلطة الحاكمة كانت يطبعها رفض دفع الضريبة.

والملاحظ هو أن الحملات العثمانية لجمع الضرائب كانت تستعين بقبائل المخزن وقبائل الأجواد من التيطري لتخرج في نهاية موسم الربيع من أجل ضريبة المواشي وموسم الخريف الذي يلي الحصاد ومختلف الغلات. كما أن السلطة العثمانية كانت تستغل مواسم الأسواق وهو موضوع تطرقنا له سابقا في الجزء الثاني.

ومن خلال الكتابات التاريخية نلاحظ أن هذه الحملات تتميز بتكرارها وأحيانا قسوتها كما هو الشأن في حملة صالح باي بنهاية سنة 1773 كما وثقه إرنست ميرسيي. ولعلّ فضاعة ما ارتكبه صالح باي (قطع 60 رأس و300 زوج من الآذان) جاء نتيجة لما وقع في السنوات العشر التي سبقت حملته. وفيها مقتل الباي عصمان عام 1763م ضد أولاد سي أحمد وبعدها في سنة 1773م حملة “الباي سفطة” ضد أولاد نائل فقُتل بالمكان المعروف الى اليوم بـ “كدية الباي” بالزعفران وخلدها الشاعر بقصيدة شعبية بقي منها:                            يا سفطة يا وجه النار *** التورية محفورة ومجلدة بجلد حمار

وسنجد أن قبائل بلاد أولاد نايل سرعان ما تستجيب لنداء الجهاد من طرف الداي ضد الحملة الصليبية الإسبانية بقيادة الماريشال أوريلي سنة 1775 حسب توثيقات فيدرمان-أوكابيتان في المجلة الإفريقية لسنة 1865 عن سياسة الباي مصطفى الوزناجي لربط علاقة ودية دبلوماسية مع قادة أولاد نايل.

والهجومات والمعارك كثيرة ومراجعها متعددة ومنها الهجوم في موقعة طزيوة، جنوب ڨطارة، لقبيلة أولاد أم الاخوة وهجوم محمد الكبير باي الغرب على زنينة سنة 1785 وحملات باي قسنطينة على الجهة الشرقية لأولاد زكري وأولاد فرج وحملات الفترة من 1800 إلى حوالي 1822 وما ميّزها من توغل تركي مقابل ظهور قيادات سياسية بين أولاد نايل أشهرهم بلقاسم بن الرعاش حين تصدى لهجوم باي المدية “ابراهيم قسنطيني” ضد أولاد ضياء سنة 1819. وعن قسوة تلك الواقعة يقول فرونسوا دوفيلاري “عاد الباي منها متفوقا ورجع بثلاث أكياس من الرؤوس المقطوعة”.

السياسة العثمانية مع بلاد أولاد نايل …

كل هذه العوامل عملت على إبقاء بلاد أولاد نائل محتفظة بوضعها الخاص والمتميز باستقلال داخلي. وهو ما جعل الإدارة التركية تلجأ لإقرار هيبتها والإيحاء بسيطرتها على مناطق أولاد نائل بانتهاج عدة أساليب ادارية وعسكرية نجملها في عدة نقاط:
ــ تثبيت الحاميات التركية: وتتكون من الجنود الأتراك المدعومين بقبائل المخزن (أولاد المختار) والأجواد وأقرب حامية لأولاد نايل شمالا تُسمى “برج السواري”. بالإضافة الى حامية المسيلة التي هاجمها أولاد نايل سنة 1830. وقد تأكدت أهمية هذه القوة الحربية (الحامية وقبائل المخزن) التي يتكون أغلب فرسانها من العشائر الحليفة للأتراك، والتي أصبح لها دور هام بالمنطقة.
ــ الحملات المتكررة: وتُعرف محليا باسم “المحلّة” وهناك مكان جنوب مدينة الجلفة يُعرف باسم “ضاية المحلّة”. كما أن الولي الصالح والشاعر الفقيه والفارس “سيدي بلكحل”، 1755-1829، يُكنى بـ “غرّاس المْحال” وهو دليل على أنه شخصية قيادية في حروب الكر والفر آنذاك.

ــ سياسة تدعيم المشيخات والزوايا: والمشيخات هنا ذات طابع قبلي وراثي وقد تكون بها زاوية وتربطها علاقات ومعاملات متقلبة ومتغيرة حسب الظرف مع البايلك. والمشيخات كانت آنذاك الطابع المميز للجزائر وقد أشار توماس شو في رحلته سنة 1725 إلى سياسة الإمتيازات الممنوحة لعائلات المرابطين واعفائهم من الضرائب. وعموماً اضطر حكام البايلك إلى التعامل مع المشيخات حسب مصالحهم مع وجوب الحذر. فنجد في بلاد أولاد نايل مشيخات وزوايا مثل زاوية “سيدي عطية بيض القول” التي يوجد فيها إلى اليوم بعض الأواني وهدايا مختلفة منحها بعض الحكام الأتراك للزاوية منها ملاعق فضة وإناء وضوء، حسبما ذكره الأستاذ بن جدو داود في مقاله عن الزوايا المتنقلة.

ــ سياسة التحكم في الأسواق: تفاصيلها في الجزء الثاني من بحثنا هذا.

ــ سياسة استهداف القصور: لعل طبيعة الأعراش المتنقلة والقائمة على الترحال من بين أسباب صعوبة التحكم في المنطقة ولهذا لم يكن استهداف القصور لكون أهلها قارّين فقط بل لنها غنية بمطامير البدو الرّحّل وهو ما حدث مع قصر زنينة وقصر عامرة وقصر مسعد وقصر الشارف حسبما وثقته المراجع والمصادر التاريخية المختلفة.

الصراعات القبلية والإغارة …

لطالما شكّل غياب السلطة الرادعة والحاكمة مصدرا لإذكاء الصراع في شتى أصقاع العالم وهذا على مستويين: مستوى أفقي بين الشعوب والقبائل المتجاورة من جهة، ومستوى عمودي تساند فيه السلطة الحاكمة هذا ضد ذاك لفرض هيمنتها مقابل امتيازات لمن يسبح في فلكها.

هذا الحال لم تشذّ عنه بلاد المغرب الإسلامي. وفي بلاد أولاد نايل كانت مسرحا لمثل هكذا أحداث يغذّيها كالعادة التوسع من أجل أراضي ومراعي جديدة ومصادر الماء وحجز ممرات وطرق ورواقات من أجل الجانب الإستراتيجي.

لقد كانت قبائل بلاد أولاد نائل وما جاورها بحاجة الى مراعي لمواشيهم في الصحراء شتاء وإلى ممرات ورواقات آمنة نحو تڨرت وواد ريغ جنوبا، وبالمثل بالنسبة للمراعي والحصائد الصيفية والأسواق في الشمال … فأدّى ذلك من الناحية السياسية إلى تشكل صراعات وأحلاف دائمة وأخرى مؤقتة وشيوع مصطلح “وقت السيبة” وعقد هُدنات متقلبة مع السلطة العثمانية مثلما سبق الإشارة إليه حول الحملة الصليبية للماريشال أوريللي.

وبما أن بلاد أولاد نايل لديها كل مميزات الموقع الإستراتيجي الذي يغري قوافل التجارة والحج والإنتجاع فإننا نلاحظ أن الغزو والإغارة والصراع على المواقع كان من الممارسات والعادات المألوفة والشائعة بين القبائل البدوية. وربما هو ما جعل رحلات الحجاج المغاربة في نصوصها تتسم بأحكام قاسية أحيانا يُبالغ في توصيفها والتهويل من حجمها كقول الحاج المغربي اليوسي في كتاب رحلته الحجية سنة 1693 عن وجود قطّاع طرق بنواحي دمّد “يسرقون النوم من الأجفان”. وهاهو الحاج المغربي أحمد بن ناصر الدرعي في نص رحلته لسنة 1710 في شيء من التحامل يصف الطريق بالقرب من “عمورة” و”عبد المجيد” بأنه محل معروف بالخديعة والسرقة والإختلاس ليلا دون أن يخبرنا إن كان هو فعلا قد تعرض للسرقة أو أحد أفراد الركب!!

ومن ناحية التحالفات نجد الدكتور عدلاوي علي بن عبد العزيز في كتابه عن “الأمثال الشعبية بمنطقة الجلفة” يشير إلى أن منطقة الجلفة قد ميّزها في العهد العثماني عصران: الأول هو عصر نفوذ السحاري ومعهم القبائل التي تحت لوائهم والعصر الثاني هو عصر نفوذ أولاد نايل ومن تحالف معهم. ولا ننسى هنا الحلف الدائم بين أولاد نايل وأولاد بن علية، و”حلف الرمايض” بين قبيلتين من أولاد نايل (أولاد يحيى بن سالم وأولاد سعد بن سالم) من جهة وقبيلة الحجاج من الأغواط، وحلف “مغدر الدهان” بين “أولاد سعد بن سالم” مع “الأرباع” سنة 1752، وحلف الأرباع مع قبيلتين من أولاد نايل (أولاد عيسى وأولاد يحيى بن سالم)، والتحالفات الدائمة التي جمعت النوايل والعبازيز والسحاري والأحداب ورحمان والمويعدات وغيرها من قبائل جنوب التيطري مما سمح بفتح رواقات تجارية نحو أسواق التيطري، ولمزيد من التفاصيل حول هذا الجانب يُرجع إلى توثيقات دوفيلاري.

إن الخلفية الإجتماعي الباعثة وراء الصراعات تتعلق دوما بسجية الفروسية وابراز الشجاعة والإقدام والفخر بالذود عن القبيلة حسب ما وصلنا من قصص وأشعار شعبية خلدت أحداثا ومآثر وسير أبطال وفرسان … إنه وضع اتسم بتعزيز النزعة الإستقلالية والحكم الذاتي والسلطة والولاء للقبيلة مما انعكس سلبا على الجزائر كدولة عشية الإحتلال الفرنسي …
ومن الناحية الإقتصادية، كما رأيناه في الجزء الثاني، نجد أن الضرورة القائمة على تحصیل العیش والدفاع عن موارد القبيلة شكلت عاملا مغذيا للصراعات. ولا ننسى هنا الأعراف والتقاليد كالنعرة على ذوي الأرحام والأقارب وإجارة المظلوم والفخر بالنسب المشترك الذي قد يحيطه الشرف الى حد أسطوري فتعلو ھذا الاسم ھالة من القداسة ویتعاظم شأن القبیلة وتزداد قوتھا حتى ینتسب إلیھا آخرون بالذوبان فیھا أو بالمصاهرة أو التحالف معھا من غیر قرابة دم. إذا فالقبيلة هي لیست وحدة منغلقة على نفسھا كما أنھا قد تكبر وقد تصغر وفقا لمقوماتهم.

أما الأحداث الطارئة التي تشكل عاملا للوحدة السياسية أو الصراع فيأتي على رأسها سنين المجاعات والأوبئة التي أشرنا إليها في الجزء الثاني من هذا البحث.

مصطلحات ملامح الحكم السياسي المحلي ببلاد أولاد نايل

الجماعة: هي أعلى سلطة اجتماعية ببلاد أولاد نايل. ولها نفوذ كبير خصوصا في مختلف العقود وجلسات الصلح والمفاوضات. وهي بمثابة مجلس شورى ومجلس حربي يقرر الحرب أو الإستسلام أو الهجرة. و”الجماعة” تختلف حتى داخل القبيلة الواحدة أي نجد لك فرقة “رفقة” جماعتها. وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك سلطة اجتماعية أعلى من الفرقة والعرش بدليل أن كل قبائل حلف بلاد أولاد نايل كانت شبه متفقة في علاقتها بالسلطة العثمانية.

و”الجماعة” عادة ما يحكمها “شيخ” أو “شيوخ”. كما نجد مصطلح “شيخ العرب” في العهد العثماني وقد ذكر لنا الباشاغا “السعيد بن عبد السلام” في مخطوطه أن والده “عبد السلام بن الڨندوز” كان “شيخ العرب” في وقته. ونجد أيضا مصطلحات داخل القبيلة تحل على السلطة وممارستها وتوزيع أدوارها من قبيل “القايد، الفرسان، شيخ النزلة، الرّڨاب، الشواف، الميّاز، شيخ الرّكب، الطالب، الوكيل، الخ”.

الزاوية: لطالما شكلت الزاوية منارة للعلم والإلتقاء التي كان يبذل لها الناس من مالهم سواء في سياق الصدقات أو الزكاة أو الحبوس. ولهذا فليس من الغريب أن تكون بسلطتها الدينية والروحية مكانا للإجتماعات ذات الطابع السياسي. ونذكر هنا أن شيوخ المقاومة الشعبية ببلاد أولاد نايل كلهم من أبناء الزوايا ومؤسسيها. ونحيل هنا القارئ الكريم إلى الدراسة التي أجراها الأستاذ بن سالم المسعود حول مظاهر التعليم والزوايا ببلاد أولاد نايل قبل الإحتلال الفرنسي.

الجامع: المسجد هو الآخر بنفس دور الزاوية خصوصا لكونه مكانا للصلاة اليومية خمس مرات وصلاة الجمعة أين يفد البدو من المناطق المجاورة لأدائها. والقصور مشهورة بمساجدها العتيقة كجامع الشارف وزنينة ودمّد والمجبارة وغيرها.

الأسواق: لها نفس خاصية الزوايا والمساجد غير أنها أكثر استقطابا لا سيما للقوافل الوافدة من نقاط بعيدة. مما يسمح بتبادل الأخبار السياسية والتجارية والفلاحية وغيرها.

الأعياد: لا سيما منها الأعياد الدينية التي تشكل فرصة للصلح كعيدي الفطر والأضحى.

المواسم الفلاحية: وهي كما ذكرنا سابقا تتعلق بموسمي الربيع والخريف حيث كانت تفد فيها المحلات العثمانية.

المناسبات الإجتماعية: ومثالها “الزردة” و”الطعم” و”المعروف” و”العزاء” و”الزيارات”. وغيرها من الولائم والأفراح والأتراح. وقد تقام هذه المظاهر الاحتفالية عند الأضرحة والمقامات فكانت مناسبات جد هامة في حياة العروش على جميع المستويات والأصعدة سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الإجتماعية لما كانت تلعبه في تخفيف حدة النزاعات بين العروش المتعادية التي لا تتعامل فيما بينها الا بالحروب والاغارات. فأصبح أتباع الطريقة من هذا العرش ينزلون على إخوانهم من العرش الآخر معززين مكرمين يشاركون في إقامة الحضرات والولائم في وئام وأمان وتقارب وتلاقي بين العروش والقبائل المتناحرة. فقد كانت تمثل مناسبة هامة لفض الخصومات والإلتقاء والتصالح والتسامح.

المرابطون والأولياء الصالحون: مع انتشار ظاهرة التبرك بالمرابطين وزيارات المقامات كان لذلك تأثير سياسي على الحكم المحلي. ولهذا سعت الدولة العثمانية جاهدة للحصول على تأييد ومساعدة المرابطين مقابل منحهم امتيازات مثل اسقاط المطالب المخزنية. ولعل أصدق شاهد على ذلك علاقة المودة والاحترام التي كان يحرص عليها الأتراك مع المرابطين كسيدي امحمد بن علية وسيدي بن عيسى المايدي. وتدخلهم في استيراد الحبوب ربما خوفاً من تحريض الأهالي على التمرد المحتمل، كقولهم في أحد الأبيات:

نجع النية راه قاصد التلية *** ونجع النية راه فز مع لفجار

وهنا نرى شيوع ظاهرة المرابطين وإيمان الناس بها إلى حد أسطوري ومما تحفظه الذاكرة الشعبية حسب رواية الأستاذ عدة خلوفي حول الشيخ “سيدي بلكحل بن علي” في قصيدة خلدها الشاعر بلجدل بن الرقاد.

سي بلكحل وين هو حامي النعرة *** أنا نهرب لزريبتو قرّاس الڨوم

قصة قيدة منين جاتو بالغدرة *** ڨال لها هاتي الدواء راني مسقوم

كسر ڨع سوارها راحت قبرة *** مولى كرامات ترياقو مسموم

وقد قيل إن “قيدة” هاته امرأة عثمانية ذات سلطة حاولت تسميم الولي الصالح سالف الذكر ومن كرامته بقدرة الله تعالى لم يضرّه سُمُّها وهذه القصة يغلب عليها الطابع الأسطوري.

وهنا نستنتج مدى ارتباط الناس بالسلطة الدينية والمرابطين وظراً للمكانة العالية التي يتمتع بها المرابطين من نفوذ قوي وكلمة مسموعة وسط أهالي بلاد أولاد نائل. وفي المقابل كان بعض المرابطين يحرصون على مهادنة السلطة العثمانية من أجل تجنيب الزاوية وطلبة القرآن ويلات الحروب والمعارك والمحلاّت.

ان ظاهرة نفوذ المرابطين والدور الهام الذي لعبه الولي الصالح لتجميع الناس حوله ومكانته لدى الأعراش التي آمنوا بها وربطوها بالروحانيات فتحاك عنهم وعن حياتهم قصص كالمعجزات امتزجت بين الواقع والخيال لجعلهم واسطة بين الأهالي وأداة استخدمتها واستغلتها السلطة العثمانية في بسط النفوذ والتحكم في القبائل القوية بالمنطقة وخلدها شعراء كثرعلى غرار “الشيخ السماتي النايلي” الذي نلمح  تأثير شيوخ الزوايا في قضية سجنه المصيرية أيام الحقبة الاستعمارية في رائعته “يا ڨمري”:

أنا قصدي فيك للمقام المختار *** بلغ ما نوصيك للي تغدالو
حمودة الصغير وعوَّدلو ما صار *** مني لابد بخبري تعنالو
والبر لي فيه سيدي جار بجار *** سال على حجرو وشجرو ورمالو
سال على الطلبة ولخوان والزيار *** وجميع المنسوب ليه واعمالو

وعن زيارة الأولياء والاضرحة في المنطقة ومدى ارتباط الناس وتأثرهم بها يجسدها الشاعر “محاد بن رحمون” في رائعته:

قاشي لفطح يا القادي سال عليه *** حيين وموتى مع ذاك الوالي
الشيخ لي ماخذ الميثاق عليه *** حڨّ يعملو ماهو في بالي
يجعلني في يوم قدوة بين يديه *** خايف من تحصال فعلي واعمالي

الجزء الأول للبحث: من هنا

الجزء الثاني للبحث: من هنا

 147 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *