قصائد جلفاوية في الحجّ (02)/ قصيدة الشاعر امحمد بن محاد بن رزيق سنة 1923

الشاعر الشعبي الحاج امحمد بن محمد بن الرزيق، الشعر الملحون الشعبي البدوي، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أم العظام، مسعد، الصحراء، الجلفة، أولاد أم الإخوة، الجلفة، أولاد نايل، قصيدة الحج، الرحلة، Ouled Nail, Djelfa

بلخيرات سعد

لقد كان الشعراء في “بلاد أولاد نايل” على مر العصور في طليعة من ألهب الحجُّ قرائحَهم وهيّج مشاعرَهم واستثار أفئدتهم فأبدعوا أيما ابداع في الإفصاح والبوح عن شوقهم وحنينهم للأرض الطاهرة … أرض النبوة ومهبط الوحي التي تهفو القلوب الى لقياها حقّا … إنها حالة روحية فريدة عاشها عدة شعراء من المنطقة … وهاهو الشاعر “سيدي محمد الشلالي الديسي” 1771/1698م صاحب رائعة “ساروا ساروا من السير باروا” … يقول واصفا الرحلة الحجية شعرا:

الله لَ بابور بينا يتهوّل *** بحري يا شُطار علاو اسوارو

واذا شم النار بينا يتهوّل *** يشڨ البحور يكثر تصفارو

واذا مشى بينا في رحلة عاجل *** ماهوشي كيدار ڨاصف مشوارو

والرايس عساس عنا ما يغفل *** يمشي في الليل ويڨد شوارو

سته ايام مسير والسابع منزل *** في وطن القرنين يكثر باشجارو

نزور البوصيري يا ربي كمّل *** مصر نحوّس فيه وتزور قبارو

يتلڤاك النيل بحرو مستعدل *** ما تلقى في الجو لا كانوا بارو

نصبح صابح في البكرة عاجل *** شور سويس خلوق فيها طارو

نلڨى لبدو مڨيم تسنى فالابل *** في جدّة محزوم يدهم دوارو

مزالي يومين للكعبة نوصل *** نلڨى ڨدامي يحيى بفنارو

يفرح بينا ويڤول يا حاج تفضل*** والقهوة بالخف تخرج من دارو

من باب السلام وليت نسَوّل *** وين الكعبة وين لي بيها دارو

طُفنا وسعينا وريّحنا في الظل *** صاحب زمزم جا يكيّل باعبارو

شربت ولّيت في وجهي نغسل *** ودخلنا لسواڨ ما كان تُجارو

حوّسناها كاملة وطنية وجبل *** كل لاخر ماشي يتبع زيارو

فالشّوق إلى بيت الله الحرام قديما تزاحمه مشاعر الخوف والقلق من المجهول في رحلة محفوفة بالمخاطر لمدة عام كامل. بل من المخاطر التي جعلت الذاهبين إلى البقاع المقدسة في تلك الفترة يُقال في شأنهم “الذاهب مفقود والعائد مولود”.

لقد كان على الحاج أن يودّع أهله، ويكتب وصيته، فلربما لن يعود إليهم، ولن يعرفوا مثواه. فالحج في تلك الفترة أشبه بالمغامرة كما أنه حقا لمن استطاع إليه سبيلا . وفي تراثنا الكثير من القصص التي تختزل معاناة ضيوف الرحمان في تلك الحقبة … ولطالما سمعنا عميد الأغنية الصحراوية “المرحوم خليفي أحمد” يغني ويردد رائعة الشاعر احمد بن يوسف الجلالي:

الله لالي مهارى عنهم ندير خطرة *** لالي جمال فُتّر اليوم عنهم نخطر

إلى أن يذكر منطقة الحطيبة في سياق وصف الإبل ومراتعها (بلدية أم العظام حاليا):

انزيدهم ثلوبة، تتلَف كي النوبة، شتّاو في لحطيبة، يدّوني شور طيبة

وقد أخبرنا الشاعر والراوية “الطاهر بلخيري بن سعد” بقصيدة للشاعر الڤيرع في نفس الغرض. وأعطانا أيضا أبياتا من قصيدة حجية للشاعر اليحياوي “سالم بن قديرة 1907-1992”:

نهار الحجاج ڨع الشعب تلم *** كمن خلو عايلة صبيان صغار

وتلاڨينا والباشط هدفو ثم *** وخلفناهم ناس مسعد شاو نهار

فزت بينا والحماميل تسڨم *** من بت صالح للصدر دارت مشوار

الجلفة عنها الغيم يبان ادهم *** الفيلاجات الي حذاها في لوعار

إلى أن يصل إلى الجزائر العاصمة ومنها إلى جدة:

اركبنا في الطايره نلڨوها ثم *** رفدت خمس مية من القاشي الزيار

والسواڨ نتاعها شيخ معلم *** ما تزعزع كانك ڨاعد في دار

وخضها جوف السما غيمو دلكم *** خمس سوايع خلفت بينا لبحار

نزلو في جدة القاشي ثم تلَم *** في طاعة ربي الحجاج الزيار

كما وثّق الأستاذ الباحث “المسعود بن سالم” قصيدة للشاعر “محمد بن داود”، من قبيلة أولاد سعد بن سالم، والقصيدة منشورة في المجلة الأفريقية بالحرف اللاتيني سنة 1940، ومطلعها:

ربّي من صابني نحج لبوطيبة *** لي جاني هنا البارح

نا شفتو في المنام حبيتو حبة *** ولّي عني النور يڨدح

ما صبت جمل نتعب ليه ذا التعبة *** والجمل متين كي الڨُرّح

وذكر لنا الأستاذ حامدي سعد قصيدة للشاعر “المسعود بن الصالح العيفاوي” والتي مطلعها:

كي فز الرّكب وراح *** دمعي عن خدي ساح

وأردف الأستاذ حامدي بالقول “سمعتُ من نجل الشاعر أن أباه استعرض القصيدة أمام العالم الشيخ سي عطية مسعودي فأعجب بها و قال له “أشهد لك بالحج” رغم أن الشاعر لم يحج حينها”.

اما شاعرنا الذي نحن بصدده اليوم فهو “امحمد بن محمد بن الرزيق” مفترض أنه ولد سنة 1883 بصحراء أم العظام ولاية الجلفة. ينتمي لفرقة “أولاد سيدي عمارة “، احدى بطون قبيلة أولاد أم الإخوة. كفّ بصره في سن مبكّرة من عمره. ونشأ في بيئة شعرية فخاله هو الشاعر الفحل “محاد بن رحمون” وأخوه بلقاسم شاعر أيضا.

نظم الشاعر “امحمد بن محاد بن الرزيق” قصيدته الحجية في الأربعين من عمره أي سنة 1923. وقد استعاد بصره خلال رحلة أنتجاع أهله في المصيف بنواحي “واد الطويل” بالقرب من قصر الشلالة في قصة كرامة من الله لرؤيا رآها ليس هذا مقام سردها. وقد وفّقه الله تعالى وأنعم عليه بالحج بعد نعمة البصر فأدّى الفرض الخامس حاجا آخر أيام عمره ليُتوفّى سنة 1993.

الراوية الذي وثقنا عنه هذه القصيدة المطولة هو صهره “الشاعر علي بن الرزيڨ” حفظه الله.، وهو شاعر ومن حفظة التراث ورواته بصحراء الجلفة. وسنعود إليه في قادم أبحاثنا بحول الله.

بين يدي القصيدة:

من يقرأ القصيدة يجد أنها سفر روحي إلى بيت الله الحرام في وقت الإحتلال الفرنسي وفي فترة اتسمت بمآسي المجاعة ونهب خيرات منطقة الجلفة وتجنيد شبابها في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. 

أبدع في وصف عشرة أصناف للبعير كل على حدى. وما لامسناه قوة تشابيهه من أروع ما ورد في أدبنا الشعبي من قوة سبك وجزالة معنى بها صور بيانية بلاغية توحي بمدى شاعرية صاحبها رغم كونه كفيفا … كما تعكس ثقافتنا وبيئتها العربية من القصيدة كلمة “قَسْوار” الفصيحة وهي صفة من “قسورة” من أسماء الأسد التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.

يستهل الشاعر قصيدته بالصلاة على النبي وصحابته الأخيار. ثم ما يلبث أن يُعرّج على حاله وما آل إليه من مرض فتغشاه سحابة من الحزن عن فقد حبيبتيه. وهذا انعكاس طبيعي كإحساس بألم فقد البصر وما ينجم عنها من أماني … وكأنه يقول “لو أنعم الله عليّ بالصحة والبصر لإخترت عشرة جمال أشد الرحال عليهم قاصدا بيت الله الحرام ومقام رسوله” …

إنه يتمنى أن يركب بعيره الأصيل الصلب الذي تربطه بها وشائح قوية إذ أنه ليس مجرّد وسيلة سفر بل صديقه وعُدته في الشدائد ووسيلته لقطع هذه الصحراء الموحشة المُقفرة التي لا يُسمع فيها إلاّ عصف الرياح ولا يُرى فيها إلا الوحشي من الحيوان. وفي هذه الرحلة يُركّز الشاعر على التفاصيل الدقيقة للجمل التي يعرفها حق المعرفة لطول ألفته بالبادية.

ومن خلال قصيدته نلمح مدى ثقافته الدينية وتشبعه بالفكر الصوفي كقوله “الأقطاب” وقوله “الشيخ اللي عطاني العهد” وغيرها مما يحيل على فصاحة الألفاظ وارتباطها بالثقافة الإسلامية.

لنتأمل هذا البيت من القصيدة في وصف الجمل:

عند التوارڨ بيه قوزايين *** عرّاد الجلبة اذا عنّد

هذا البيت هو إشارة مباشرة لمقاومة التوارڨ بقيادة الشيخ “آمود أغ المختار” والتي انتهت سنة 1923 تزامنا وتاريخ نظم القصيدة. وكلمة “قوزايين” أصلها “غوزايين” من الفعل غزا يغزو. وهو ما يحيل على إحاطة الشاعر بأخبار زمانه وسلالات الإبل لا سيما منها تلك التي يملكها أهل الصحراء.

نص القصيدة:

01 نبدأ بسم الله يامعين *** سهلّي بالقول ياواحد

02 صلاة وسلام على الأمين *** ذاك شفيع القوم محمد

03 وارْضَ على لصحاب إجمعين *** ورفاڨة علال الواكد

04 الآل وقومو التابعين *** وفطيمة الباتول بنت احمد

05 وذرية الشرفة الحسنين *** جلول بن خيرة المقيّد

06 وبجاه الاطهار الوالدين *** والشيخ لي مدلي عاهد

07 بفضل الاحزاب الستين *** من البقرة الـ نهاية الحمد

08 بجاه الأقطاب متمومين *** ومن اتى من أولهم الواحد

09 نجيبهم بالجّاه مجمولين *** نطلب بيهم طامع نفيّد

10 نتوسل بيهم للحنين *** اذا راد شي ان يوجد

11 عالم خبير في المكين *** لا يسهى لا ينوم لا يرڨد

12 نرجى قسمي بفضل الحنين *** ان نوفو الأيام بالعدد

13 السابق مكتوب في الجبين *** شر ولا خير مجرّد

14 في عمري تميت الرّبعين *** ومن همّ الى همّ نتمرمد

15 نطلب في للطاف من الحنين *** غيرو مول الجود لا جيد

16 بأمرو ناس صالحين تعين *** ويْبَيْنُوا برهانهم يوجد

17 أنا ضحيت اليوم حالي شين *** من هم عينيا ولا نرڨد

18 مغبون وما لڨيت صدر حنين *** والطايح ما سال عنو حد

19 تستشفى فيا العديانين *** ابليس والمعيان والمحسد

20 ان شاء الله في بير مرصودين *** يتابعوا يغداو بالواحد

21 يا سيدي سلطان الصالحين *** تذيع ليه الصيب والواجد

22 انا من لي ليه مملوكين *** ووصيف مشقّيه للأبد

23 برو جوبة جا عليا وين *** حليل الڨلّيل لا مهد

24 لو كان لي طاقة ندير عوين *** نخمل الزاد ونرفد

25 ندّي عشر جمال للّي زينين *** من كل لون نخيّر واحد

26 نشد على رانبي امتين *** مبروك للخطرة يجي واجد

27 وعنّو لا ثار في عامين *** وكي يْرَشَّح لحمو راڨد

28 هذا لي يدّي العاشقين *** نزور الرسول محمد

29 ولاّ أعطر لحمو مرفّع زين *** ووبرو على لكتاف مهدهد

30 امبرّم الذّرعين مفتولين *** ارڨيّق الكفّة كانك تنڨد

31 هذا لي يدي العاشقين *** انزور الرسول محمد

32 ولاّ أحمر مْدَوّل بوڨرحين *** نعمان في زنايڨو جدّد

33 كي ناض متقاني عامو زين *** بعد ان فتّح زاد جاه سد

34 هذا لي يدّي العاشقين *** انزور الرسول محمد

35 ولا زرمش تشبيه لونو زين *** فحل الرسيلة ما يهز لحد

36 في ذا الخطرة ما عليهش وين *** هاتو يرفد حملو واجد

37 هذا لي يدّي العاشقين *** انزور الرسول محمد

38 ولاّ لحّاف في صورتو خشين *** جبّار للغرب مڨعّد

39 قسوار منّو الناس مرهوبين *** حُرم الغابة ما يجي آحد

40 هذا لي يدّي العاشقين *** انزور الرسول محمد

41 ولاّ متعدل مقرّف العينين *** كامل في ڨوايمو مجرّد

42 عند التوارڨ بيه قوزايين *** عرّاد الجلبة اذا عنّد

43 هذاك نَحْو الابل يا فطين *** وين بيه نعلّم نڨصد

44 هذا لي يدّي العاشقين *** انزور الرسول محمد

45 ولاّ اكحل واتى القنّايين *** مكَوْرر ينهم ما يردُّو حد

46 بابور وشيفورو معلّم زين *** اذا فز دُخّانو يبان اسود

47 ما شفتوش يا الفاهمين *** في قامق مداخلو ركّد

48 هذا لي يدّي العاشقين *** انزور الرسول محمد

49 لخضر خزّ الڨلات شادين *** لا فزّ يا طيّار يبعّد

50 روعة مخوّل ليه طول سنين *** يفلا في فرقان وامّجرد

51 عند لغرابة بيه موّالين *** في ڨصير الحيران نمجّد

52 هذا لي يدّي العاشقين *** انزور الرسول محمد

53 ولاّ احجار من صوّانين *** كوراج في راسو يظل يحد

54 ولاَيح الخلبات محيوزين *** نڨمر بزيمتو يرعد

55 شلخ النيبان مبرومين *** وبوصلعة أڨرح ولاّ أسجد

56 هذا لي يدي العاشقين *** انزور الرسول محمد

57 مزال لشخم خضر العين *** اللي جاء يبكي للسّيّد

58 ما داروا فيا الجاهلين *** جيتك هارب هاي محمد

59 وجات عڨابو ڨوم كافرين *** لقاو ب لصوات على لمجد

60 ڨال لهم نعطيكم مثلين *** في هذا البعير لي جا قاصد

61 ڨالولو جيب بعيرنا في الحين *** ولاّ النهار ذا يعود اسود

62 خرجوا لهم لبطال الزينين *** في آلات الحرب تجاهد

63 خلاّو حيدرة يا مومن العين *** مريض يرجى في فضل الواحد

64 بقدرة ربّ العالمين *** شافاه ربي ناض وتڨعّد

65 وينهو سيد الأولين *** لي قومو عليهم ينشد

66 ڨالولو راهم مفتونين *** كي جاوهم ڨوم المعند

67 ڨال لهم شدوا الهودج زين *** كي تتخبّى فيه زينة الڨد

68 فطيمة الزهرة أم الحسنين *** في زين اللون نورها يوقد

69 تذكر في ربّ العالمين *** وتردد صلاة محمد

70 وشد على السّرحان بوسكّين *** واجبد ليه السّيف مهنّد

71 نقسم برب العالمين *** نزدم ليهم ما نخلّي حد

72 كي شافوه الڨوم فرحانين *** وطل عليهم صيفة الأسد

73 الكفرة ولاّو مدهوشين *** هذا اللّي في روسهم يحصد

74 تقلب السيف بوعرڨين *** وجاء حامل ليهم قاصد

75 ڨسمهم تڨسام عن شطرين *** هذا طايح هذاك مسنّد

76 كي مال الرهمة وعامو شين *** وطاح عليه الثلج زاد اجمد

77 حزني على لبطال الزينين *** مسبلة لعمار وتجاهد

78 عبد الله في اثنين وعشرين *** متورخين حساب لا زيّد

79 خزروه على ما تشوف العين *** جرذان لا يصحى لها عدد

80 داروا ليهم جاو ملفوتين *** وطيور يتخالاو على المصيد

81 فرڨ الڨطا لا شاف طراشين *** مخلوع من هفّو يتقارد

82 يرد على الشمال واليمين *** ما راح منهم ڨالّي شاهد

83 يكون لي مغفور في الدارين *** في الدنيا ولاخرة نسعد

84 في ذي سالك ما عليّ دين *** وفي ذيك يمنعنا من المصهد

صورة الواجهة مركبة: الحاج امحمد بن محمد بن الرزيق، لوحة الرسام الفرنسي ليون بيلي “1827-1877” من الأنترنت.                        Tableau: Pèlerins allant à la Mecque, du peintre Léon Belly (source: internet)

الشاعر الشعبي الحاج امحمد بن محمد بن الرزيق، الشعر الملحون الشعبي البدوي، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أم العظام، مسعد، الصحراء، الجلفة، أولاد أم الإخوة، الجلفة، أولاد نايل، قصيدة الحج، الرحلة، Ouled Nail, Djelfa

الشاعر الشعبي الحاج امحمد بن محمد بن الرزيق، الشعر الملحون الشعبي البدوي، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أم العظام، مسعد، الصحراء، الجلفة، أولاد أم الإخوة، الجلفة، أولاد نايل، قصيدة الحج، الرحلة، Ouled Nail, Djelfa

 280 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:, , , , , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *