عن أصل كلمة “الجلفة” وأوديتها وعيونها

الجلفة، قشرة الأرض، أسماء الأماكن، الأماكنية المواقعية، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Toponymy, Djelfa, Ouled Nail

بن سالم المسعود

تحيل كلمة “الجلفة” على الجفاف الذي يلحق الأرض فيحول التراب السطحي عليها إلى قشور كثيرة جافة محدبة تملأ الأرض. إذا فالتسمية هنا تختص بطبيعة الأرض فقط ولا علاقة لها أصلا بصفة إنسان.

التخريج المعجمي …

من الناحية اللغوية كلمة “الجلف” قد ترد بمعنى اليابس مثلما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم “لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الخِصَالِ ، بَيْتٌ يَسْكُنُهُ ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ ، وَجِلْفُ الخُبْزِ وَالمَاءِ” أي الخبز اليابس. (الحديث هنا من أجل التوثيق اللغوي عنه وليس للنظر في كونه ضعيفا وإن كان له شواهد أخرى صححها علماء الحديث).

وفي معجم الدوحة التاريخي للغة العربية وردت كلمة “الجِلفة” بمعنى “القطعة من الشيء” أو “القطعة اليابسة الغليظة من الخبز”. وأيضا “جَلَفَ الشيء” بمعنى “حتَّهُ وأزال قشرته”. وكذلك “الجليفة والجالفة من السنين” أي المجدبة. و”الجليف من الأرض” الذي أجدبته السنة”.

وفي اللغات العروبية القديمة كالسريانية والآرامية والجعزية والأمهرية نجد الجذر “ج.ل.ف” بنفس المعنى للدلالة على “قشّر” و”حفر”. ونحن نعلم أن هناك هجرات حميرية قديمة وحضارة فينيقية بونيقية (لها نفس الاصل مع الآرامية)  عمّرت شمال افريقيا مما يفتح آفاق البحث الأسمائي ويدحض المقولة الخاطئة عن أن الإسلام يُعرّب. وهو ما ذهب إليه المؤرخ الفرنسي “ستيفان غسل Stéphane Gsell” حينما اعتبر أن سهولة انتشار اللغة العربية الحديثة راجع إلى التفاهم الكبير بينه وبين شقيقتها اللغة البونيقية.

التخريج التراثي …

نستخدم في منطقة الجلفة كلمة “جلفة/ جمعها جْلوف” للدلالة على قشور الفواكه والخضر. كما نستعمل الفعل “جلّف” للدلالة على الشيء الذي ييبس وتظهر قشرته … والآن يتبادر إلى الأذهان السؤال عن سبب تشكل “الجلفة” بهذه الأرض؟ وهل هناك عوامل مائية جعلتها فعلا مسرحا لقشور التربة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة مُتضمنة في كون مدينة الجلفة معروفة إلى اليوم بكثرة الأودية والعيون بها. وهذه الأودية هي وادي ملاح ووادي الطّاقة وواد الحديد وواد بوتريفيس وواد مهنّي. أما العيون فهي عين اسرار وعين شنوف وعين الشيح وعين لوكاريف وروس العيون وعيون بحرارة … وربما كانت المنطقة تضم عيونا أخرى في القدم ونحن لا علم لنا بأسمائها.

ثم إن هناك اسما قديما يدل على أن الماء يحجر بالمنطقة وهو “الضاية” الذي مازال اليوم متداولا حول “حي الضاية” … فكل هذه العوامل المائية من أودية وعيون وضاية تعطينا فكرة عما قد يكون عليه شكل قشرة الأرض في حالة فيضانها ثم جفافها فجأة … إنها فعلا تستحق هذه التسمية كوصف لها وتلك هي عبقرية العرب في اطلاق الأسماء بوصف تضاريسي يجعلك لا تظل طريقك!!

وهاهو الجغرافي الفرنسي “Onésime Reclus 1837-1916″ يعطينا انطباعاته عن الجلفة-المدينة في كتابه “فرنسا ومستعمراتها” الصادر سنة 1889. وهذا حين مر بالجلفة في رحلة مطولة له بالجزائر، والمعروف عنه أنه هو وضع مصطلح “الفرانكفونية” سنة 1880. ولأن أونيزيم ريكلوس ينتصر للغته الفرنسية فإننا نجده يضع عبارة لوصف تناقضات الجلفة مناخيا ولكنه يبدي إعجابه بهذه المدينة الكولونيالية التي يقلّ عمرها آنذاك عن 30 سنة … فيقول:

“الجلفة … الجليد والحرارة … العاصفة والجفاف … ولكنه بلد جميل، هنا يتنعّم الفرنسي في الوادي الذي سميناه فرساي الأغواط … الأغواط هي باريس البائسة، الجلفة هي فرساي الصغيرة”.

“Djelfa la gélide et la torride , la venteuse et la séche ,bon pays cependant, où le français se propspère  dans le vallon qu’on a nommé le Versailles de Laghouat- Laghouat pauvre paris: Djelfa, Petit versailles…”.

لعلّ الكاتب الفرنسي هنا تذكّر وادي بيافر Vallée de la Bièvre ذي الـ 35 كيلومترا والذي يقطع مدينة فرساي وقد أعطاها بهاءها وجانبها الجميل وصار رمزا لها … ونتوقف هنا لأن حال مدينة الجلفة وواديها الملوّث يبعثان الأسى في القلوب … الوادي الذي كان ماؤه طاهرا سنة 1920 فغُسّل به ضحايا المجاعة ووباء الحمى الصفراء …

الجلفة، قشرة الأرض، أسماء الأماكن، الأماكنية المواقعية، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Toponymy, Djelfa, Ouled Nail

الجلفة، قشرة الأرض، أسماء الأماكن، الأماكنية المواقعية، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Toponymy, Djelfa, Ouled Nail

الجلفة، قشرة الأرض، أسماء الأماكن، الأماكنية المواقعية، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Toponymy, Djelfa, Ouled Nail

الجلفة، قشرة الأرض، أسماء الأماكن، الأماكنية المواقعية، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Toponymy, Djelfa, Ouled Nail

 102 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *