هجرة بعض بطون أولاد نايل إلى منطقة تڨرت

Jean Baptiste Paul Lazerges, Ouled Nail, Djelfa, Caravane المرحول، أولاد نايل، الجلفة، تراث عربي هلالي إدريسي

أ.د خليفة عبد القادر (**)

أولاد نايل مجموعة من أهم المجموعات السكانية ذات الأصول البدوية فـي  النزلة (تڨرت)، العدد الأكبر من هؤلاء السكان ذوي الأصول البدوية من منطقة السهوب الهامشية مع الصحراء بين مسعد (ولاية الجلفة) والهضاب الممتدة حتى تقارب الحدود الشمالية الغربية لتقرت ، هؤلاء البدو ملوك تربية الأغنام تم تثبيتهم النهائي سنة 1983 في حي عين الصحراء، هذه المنطقة ستصبح من ضمن بلدية النزلة بموجب التقسيم الإداري لسنة 1984، تم تثبيتهم في هذه المنطقة التـي كانـت آنذاك بعيدة عن المدينة (03كلم) سنة ترحيلهم لها في 1983، إذ كان هذا الحي منطقة معزولة عن المدينة، وبقي كذلك لمدة سنوات، أصبح مطبوع كونه حي “البدو”.

بعد تثبيت البدو من أولاد نايل خاصة زادت توسعات الحي من السكان البدو أساسا في شكل تجمعات قبلية على نفس الشكل الذي كانت تتجمع به بعض من عروش أولاد نايل القادمة من الهوامش الجنوبية للهضاب، كل جزء من هذا الحي ضم مجموعة معينة هم أبناء عشيرة واحـدة: أولاد وطية، المهاش، الكواكي … كل واحدة من هذه العشائر تحتل جزءا معينا، علـى الهـوامش لحقت بعض الأسر الفقيرة من مناطق أخرى ومن التل ومن الجنوب نظرا لقلة أثمان الأراضي بهذا الحي.

كانت هذه المجموعات من البدو قبل تثبيتها ولمدة طويلة من تاريخ علاقاتها بالواحات تمارس التنقل الموسـمي بـين وادي ريـغ وأطراف السهوب وعلى هوامش الصحراء التي تتصل بمنطقة الهضاب العليا، بين مسعد وتقرت منذ حوالي سنة 1945.

وحسب ما يرويه المسنون منهم في محادثاتنـا معهـم بـدأ توافـد هـذه المجموعات من أولاد نايل إلى واحات وادي ريغ. كل سنة يتم وصولهم الجمـاعي فـي بدايـة الخريف للعمل في واحات النخيل في عملية جني وفرز التمور، ثم يقضون الشتاء في خيـامهم حول المدينة(2) حتى حلول الربيع يعودون إلى مناطقهم ترقبا للعشب لمواشيهم وموافاة موسم الحصاد في مناطق التل.

أحد الشيوخ المسنين من الذين مارسوا هذا التنقل يسرد لنا في حوار معـه طريقة الحياة التي مارسها أولاد نايل ضمن حركتهم في الخمسين سنة الأخيرة:

” … قد بدأنا النزول إلى واد ريغ عندما حلت المجاعة في 1945، نأتي إلى تقرت بخيامنـا بعـد أن نترك أغنامنا مع من بقي في الصحرة (2)، نحط بالقرب من المدينة ونبني خيامنا تبقـى النسـاء والأولاد وينزل الرجال إلى الغابة للبحث عن العمل في التمر، أو في المخازن لفرز التمور، ومنـا من يتوجه للسوق لبيع الصوف أو الدهان، بعد انتهاء العمل في التمر نبحث عن أعمال أخرى فـي التحميل في الكرايل(3) عندما يحل البيع نبدأ العودة إلى مناطقنا في الصحرة، لنقضي مـدة من الزمن حتى الصيف أين نتوجه إلى التل للعمل في الحصاد، إما بالكراء أو كـأجراء، فـي بدايـة الخريف نعود إلى مناطقنا للحرث بالنسبة للذين يملكون ضاية أو أرض، ثم العودة من جديد إلى واد ريغ. قبل هذا النظام الذي بدأنا في اتباعه كنا من ضمن العشابة، لكن الجفاف والمجاعة جعلتنا ننزل حتى وادي ريغ، في السنة الواحدة نقطع مئات الكيلومترات متنقلين على الأقدام ونعمل عند النـاس، الجمال قليلة ومكلفة، كانت تشترك عائلة أو أكثر في كراء جمل لحمل الخيمة والمئونة…”.

وصف هذا الشيخ شكل حياة البدو من أولاد نايل ونظام رحلتهم السنوية من وادي ريغ حتـى التل، والذي دام منذ الأربعينيات حتى الثمانينيات.

عندما بدأ استقراهم وتثبيتهم في مدينة تقرت تم هذا التثبيت على مراحل منذ بديات الاستقلال، تحولت خيامهم إلـى تجمعـات مـن البيـوت القصديرية على هوامش المدينة، بسبب الجفاف في مناطقهم وأيضا حصول الكثيـر مـنهم علـى وظائف كحراس في الشركات البترولية أو سائقين، بدأ أولاد نايل في التثبيت والبقاء حول المدينـة طول السنة.

في محادثة أخرى حول تثبيت أولاد نايل بتقرت:
“في سنوات الاستقلال، بسبب الجفاف في مناطقنا وقلة الرعي وفقر العـائلات ، وأيضـا لأن الكثير من الرجال وجدوا العمل في الشركات في تقرت وحاسي مسعود، كنا نعمـل حـراسا أو حمالين لأننا لا نعرف غير الرعي كحرفة، بقيت الكثير من الأسر في” الشتاية ” المنطقة التي كنـا نخيم بها وبدأ عدد العائلات التي تذهب إلى الصحرة يقل وتتكاثر تجمعات الأسر التي تبقى فـي مدينة تقرت” بعد تخلينا عن الخيام وبنينا “قرابي” نتيجة العمل ودراسة الأولاد في المدرسة الشيء الذي أصبح ممكنا، والعلاج أصبح من الأسهل علينا البقاء في تقرت، لكن الدولـة تنـزعج مـن وجودنا، قامت بتحويلنا عدة مرات عندما تحول الأرض التي نقيم عليها قرابينا، إلى العمران دون أن يلتفتوا إلينا واشتكينا في كل مكان حتى قرروا في الأخير منحنا مكانا نستقر فيـه، فـي عـام 1983رحلونا إلى ذراع البارود”.

عند المجموعات الأخرى ذات الأصول البدوية سواء من الذين أطلقنا عليهم عبارة أنصاف البدو (semi-nomades) أو البدو الحقيقيين من أولاد نايل، التنظيم السائد والواضـح هـو البنـاء القبلي، بالرغم من سنوات التمدن والتثبيت إلا أن الشعور بالروابط ودراية كل أفراد المجموعـات بالأنساق القرابية وتفرعاتها والشعور بوحدة تلك القبيلة أو العرش أو الفرقة مهمـا كـان تباعـدها الجغرافي.

 في مقابلاتنا مع مسنين من مجموعات السكان في النزلة من ذوي الأصول البدوية خاصة مـن أولاد نايل وأحاديثنا معهم بخصوص العروش وتقسيماتها لاحظنا حيوية هذه المسـائل عنـدهم، يصنف لنا أحد الحاذقين من الشيوخ عرش أولا نايل وكم كان فرحا فخورا وهـو يسـرد علينـا تقسيمات العرش: 

 “… أولاد سيدي نايل عرش كبير أكبر عرش في الجزائر … في تقرت فقط مجموعة قليلة من أولاد نايل. سيدي نايل هذا ولي صالح جاء من الساقية الحمراء وعمر البلاد ، له عدة أبناء مـنهم خرجت الفرق التي في تقرت وهي أولاد وطية، أولاد المبارك، أولاد ساسي، المهاش، حركات … وهم كثيرون كل فرقة تنقسم إلى ألقاب نسبة إلى جدهم القريب وكل لقب يقسم إلـى عيـالات …”.

العيال في منطوقه هي العائلة الكبيرة التي تنتمي إلى جد واحد. يبدو أن كل أعضاء القبيلة مسـنين وحتى الشباب يعرفون معرفة جيدة هذه المعلومات. 

الـروابط التـي تجمعهم بماطقهم الأصلية الجغرافية بقيت قائمة بالرغم من البعد الجغرافي تبقـى وحـدة القبيلـة والعرش هي الهيكل الاجتماعي القائم بمؤسساته التقليدية والرقابة القبلية التي يمارسها كبار السن.

هوامش:

1- المنطقة التي كانوا یخیمون بھا على طرف المدینة المؤدي إلى منطقتھم، عبر طریق غیر معبد تقطعه مسالك تجوبھا الشاحنات العسكریة القدیمة التي یشترونھا من المزادات ویستعملونھا في تنقلاتھم بین المدینة وصحرائھم وجلب المواشي للمدینة ونقل الماء لقطعانھم، الشاحنات التي عوضت الجمل منذ بدایات الاستقلال.

2 – یطلق أولاد نایل تعبیر” الصحرة” على المناطق التي جاؤا منھا ، المنطقة الممتدة بین مسعد ( ولایة الجلفة) شمالا حتى النھایات الجنوبیة للھضاب العلیا.
3- ھذا التعبیر یطلقونه على العربات التي تجرھا الحمیر أو البغال، ھذه العربات استعملھا أولاد نایل في التحمیل والنقل في المدینة. قبل ذلك كان الحشاشنة ینقلون حاجیاتھم بواسطة الحمیر دون عربات.

– عنوان المقتطف من وضع محرر مجلة خيمة التراث

(**) عبد القادر خليفة، بتصرف نقلا عن رسالة ماجستير بجامعة قسنطينية تحت عنوان “الهياكل الإجتماعية والتحولات المجالية في حي النزلة – تڨرت”، 2003.

 141 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:, , , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *