مآثر .. مروءة لص .. روبن هود البادية!!

إيتيان نصر الدين ديني، تراث عربي هلالي إدريسي، الفرسان العرب، أولاد نايل، Ouled Nail, Etienne Dinet

بن سالم عمر

كان الأولى وانا اكتب عن “احمد بن أعْمُر” أن أجد له قرينا تاريخيا من حضارتنا وثقافتنا ولعل نموذجه الأقرب هو ما عرف في الجاهلية بالصعاليك، وهم فئة انتبذت عشائرها ونشأت بينها رابطة من نوع خاص، وكانوا يسلبون الأغنياء ويمنحون الفقراء … وكانوا أهل نخوة وشهامة وأهل شعر ولعل أشهرهم الشنفرى صاحب “لامية العرب” وتأبط شرا وعروة بن الورد وشظاط والسليك … ولكني تدبرت الأمر فوجدت شخصية “روبن هود” أقرب لأذهان اليوم ولناشئتنا بما زرعه الإعلام والرسوم المتحركة، ولعله يأتي قادما من يصنع من شخوص الصعاليك أيقونات تغرس ذكراها في أذهان ناشئتنا …
أعود لشخصيتنا التي اخترتها اليوم والذي لم يكن بقوي البنية أو ضخمها وإنما كان للقِصَر أقرب نحيل الجسم مستدق الوجه، ومع ذلك كان فارسا قويا شجاعا جريئا بلغت به الجرأة أنه كان يهجم على قطعان الأغنياء نهارا جهارا دون تخفي أو تستر كما قد يفعل أي لص أو قاطع طريق، بل كان يرى في نفسه صاحب حق، وصاحب الحق لا يتخفى حين أخذ حقه، فيسطو ويأخذ مايريد وان لحقه أي أحد راجلا كان أو فارسا … فردا أو جماعة فمصيره الهلاك … هكذا كان ابن اعمر، يأخذ ما يراه حقا من الأغنياء فيعتاش ببعضه ويُوزع الباقي على الفقراء، فسارت بذكره الركبان وعرف فعله وعرف بطشه …
والحقيقة أننا لسنا هنا بصدد الحكم على فعله وأخلاقيته وانما هو تلك الروح التي تحلى بها وذاك الخُلق الذي كان يقدره ويحترمه، فهو وإن كان لصا على واقع الحال الا أن ذمته لم تخل من مروءة، ولعله كان أشرف كثيرا من سواه، ففي مغازيه كانت تحكمه قواعد وضعها لا يحيد عنها ولا يخرم فيها مروءته، ولقد مر يوما بأغنام ترعى فأراد على عادته أن يستخلص منها الحق الذي رآه مناسبا، وتقدم نحوها وساق منها ما أراد أمامه، وانطلق كعادته دون أن يلتفت الى الخيمة المنصوبة أسفل التلة أو يعيرها أي انتباه، ولم تكن الخيمة إلا لسيدة عجوز تربي أولادها الشباب، الذين كانوا حينها في شغل لهم بعيدا عن أغنامهم، فلما رأوا فعل الفارس هبوا للخيمة لأخذ سلاحهم واسترجاع الحق من هذا المغتصب، ولكن الأم أدركت ان صاحب هذا الفعل المجاهر به نهارا لا يكون الا “ابن اعمر” فوقفت دون أولادها لعلمها أنه قاتلهم لا محالة، ونهرتهم وطلبت منهم البقاء داخل الخيمة، وهرولت هي نحوه تصرخ وتلوح بيدها منادية له حتى بلغت مسامعه فأوقف فرسه وانتظرها حتى بلغته وقد تقطعت انفاسها ولهثت لغتها …  فبادرته:
– يا ابن اعمر ! ابلغ بك الحال أن صرت لا تجد الا مال العجائز تسطو عليه !؟ ( يا بن اعمر راها وصلت بيك عدت تطيح على مال العزايج)
فكان كأنها أصابته بطلق، فانكب عن فوق حصانه وسقط، وانحلت عمامته وتعثر وقام يلملم نفسه وقد اعتراه الخجل، وسألها أليس فيكم كبير ورجل ، فقالت:
– لا والله مات الكافل وانا وحدي مع عيالي …
فاندفع نحوها معتذرا خجلا مضطربا يسألها الصفح والستر وألا تذكر زلّته لأحد ولا تفضحه، وترك لها أغنامها وزادها مما كان معها واندفع هاربا مطئطئا مكسورا …
هي الشهامة يعرفها أصحابها وتعرفهم، وهي أخلاق الرجال مهما وضعتهم الدنيا في أي حال، فلا يفقدون انسانيتهم ولا ينحدرون لدرك ينزل بهم دون كرامتهم أو مروءتهم … وللرجل قصص ومآثر لعلّي أزيدكم منها في لقاء قادم …
صورة الواجهة: الرسام إيتيان ديني Etienne Dinet

 319 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

عدد التعليقات : 2

  1. ما شاء الله ، أكيد حبين نعرفو عليه أكثر لنا أبطال واقيين لا أبطال الغرب الوهميين يغطي و جهه و يرتدي ملابس داخلية برموز لا ندرك معناها و تصرفات هي الأقرب بالجنون الله يهدينا و يهدي ولادنا لسراط المستقيييم يا رب

  2. كان للعرب مرؤة وشهامة حتى في نحرافهم لا يخرمونها واسفاه على زماننا
    بارك الله فيك استاذ نرجو ان تواصل وتثرينا من حضارتنا وتاريخنا الذي لا نعلم عنه سوى انهم كانو يمنعون نساء من دراسة وتزويجهم مبكراا!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *