مآثر النعاس بن الصادق بن ڨدڨاد

أوجان جيراردي، التراث العربي الهلالي الإدريسي، المرحول، القافلة، الجلفة، أولاد نايل، Djelfa, Ouled Nail, Eugène girardet caravane

عمر بن سالم

أوقف حماره الهزيل إلى جانب شجرة سدر عظيمة، لم تكن سدرة المنتهى، بل مجرد شجرة شوك تمنع عنه رياح وزمهرير تلك الليلة التي أطلّت وأنهت مسار يومه. وفيما أنزل هو ابنتيه الصغيرتين راحت زوجه تمدّ أسمال بقية فليج بال (الفليج هو قطعة النسيج الأساسية في بناء الخيمة)، لتجعل منه فراشا وغطاء، ووضعت بجانبها ما بدا أنه صينية نحاسية مما تعوّد المترفون اقتناءه، وقبل أن تشرد منهما المعزة الوحيدة المرافقة لهما أحكما ربطها الى أحد أغصان شجرة السدر.
كان المنظر ليكون عاديا ونحن في بداية الأربعينات … السنوات العجاف والحرب العالمية الثانية واستنزاف الاستعمار الفرنسي لكل مخزون الغذاء في الجزائر لصالح جبهاته القتالية في الخارج، فتشرّدت العوائل أو ما بقي منها ومات الكثيرون تحت ضغط المرض والجوع وأقبل عام القحط الأعظم أو ما يعرف بـ “عام الشرّ”، وكانت الجائحة.
وكان ممّن أهلكهم الأمر، أو كاد، صاحبنا الذي نتحدث عنه، غير أنه لم يكن من هؤلاء الناس العاديين، لقد كان “النعاس بن الصادق بن ڨدڨاد” من أكثر أولاد سي امحمّد من أولاد نايل غنى، ورث عن والده ثروة طائلة وزاد فيها بفضل حكمته وبراعته، وبلغ ما لديه من الأغنام ما يقارب العشرة آلاف رأس وغيرها من الأبقار والخيل والجمال والأثاث والخيم الفاخرة، غير ما كان يحوزه من أواني الفضّة والنحاس والذهب الذي كان يتعامل به كنقد، وكان كريما عطوفا لم يرزقه الله الولد الذكر وكانت له ابنتان، وكان ينصب خيمته العظيمة في منطقة “المڨسم” بحدود بلدية حاسي بحبح حاليا، حتى جاءت الأربعينات واعتاز الناس واشتدّ القحط وساد الجوع ففرّ الناس إلى ابن البيت الكبيرة – وهكذا يسمي أولاد نايل الخيمة بـ “البيت” … جاؤوا الى جوار “النعاس بن الصادق بن ڨدڨاد” ليقيهم شر الجوع، ولم يكن ليبخل، ففتح مخازنه حتى نفذ ما فيها، وأمدّ الناس بكل ما عنده من مواشي وما تبقّى منها ولم تكتسحه الجائحة، وبعث فاشترى بما عنده من أموال القمحَ وفرّقه على الناس حتى اذا نفذت أمواله قايض بما كان عنده من أثاث حتى أفناه ثم باع ما عنده من خيام …
فلما نفذ ما عنده، ولم يتبق له إلا حمار أعجف وماعز يحلبها لابنتيه وصينية نحاس يدخّرها لطعامه. أمر زوجته ليلا أن تحمل ما تبقى وأن يغادرا .. فهو يخجل أن يقصده أحد فلا يجد ما يقدمه له، وهكذا كان … وسار قاصدا أصهاره قرب وادي الملح، غير بعيد عن “زاوية الجلالية” حيث بيت “سيدي بيض القول” وحيث المدد لا ينقطع، وشاءت الأقدار أن يبيت تلك الليلة في الخرزة عند السّدرة التي تحدثنا عنها عند بيت من بيوت الشرف والجاه وأحد أعيان المنطقة، وكان يومها غائبا عن المنزل لحاجة له في مدينة الجلفة، ولم يكن في البيت إلا زوجُه.
لمحت سيدة المنزل هذا الذي نزل بالقرب منهم، ورأت من حاله ما دلّها على أنه عابر سبيل … طلبت من أحد الخدم أن يذبح ديكا روميا بينما انشغلت هي بإعداد الطعام ـ الكسكسي – ثم وضعت ما أعدّت في قصعة وغطّتها بمنديل وأرسلتها مع الخادم لجيرانها الجدد .. وتقبّل الصادق بن ڨدڨاد الهدية … وباتوا على خير حال واستيقظت السيدة باكرا لتتفقد ضيفها، فلم تجده ورأت من بعيد على السّدرة قصعتها مغطاة بالمنديل الأحمر … فطلبت من يجلبها، ونزعت الغطاء وهالها ما وجدت … صينية فاخرة من النحاس … رفعتها فوجدت الماعز مذبوحا مسلوخا نظيفا وعليه وضع الكبد والقلب … فصرخت أهلكت الرجل وقتلت بناته .. يا ويلتي أكرمته بشيء من عندنا وردّ ضيافتي بكل ما يملك وما ترك لعياله ما يقوته ورحل … وانفطر قلبها وبقيت سائر نهارها في حالة من الحزن والشفقة والتعجّب حتى جاء زوجُها وهرعت إليه باكية شاكية وروت له ما كان بينها وبين الضيف الغريب، فقال لها والله ما يفعل أحد من العرب مثل هذا الا “النعاس بن الصادق بن ڨدڨاد” … وأمر فارسا من عنده أن يقصد منطقة المڨسم ويأتيه خبر النعاس ورجع الفارس وروى له كيف أنه وزّع ماله بين الناس حتى أفقر ثم غادر ولا أحد يعلم أين هو!!
فأمر ببعيرين وجهّزهما بمؤونة ثم أمر أحد العاملين عنده فقال اتبع طريق السكّة الحديدية حتى إذا تجاوزت عين معبد وبلغت منطقة الزميلة فإن أنت بلغت محطة القطار فستجد عندها طريقا يسلك بك غربا نحو وادي الملح فاسلكه حتى اذا بلغت الوادي فاسأل عن محاد بن الحاج واسأله عن صهره النعاس بن الصادق بن قدقاد … وفعل المرسول ما طلب منه وسار حتى وصل ودلّوه على بيت النعاس، فوقف غير بعيد وناداه فلم يجبه أحد فأعاد النداء، وكان الصادق بالبيت، إذ ظنّ أن سائلا يقصده ولم يكن معه ما يعطيه فخجل أن يخرج واحتبس عنه، فلما رأى إلحاح الطالب خرج فوجد غير ما كان يتوقع فسلّم عليه المرسول وقال له سيدي يقرئك السلام ويعتذر لك وانك يوم نزلت عليهم لم يكن بالبيت، وهاهو اليوم يرسل لك ضيافتك وما أنت أهل له. ونظر الصادق للبعيرين وطلب من المرسول أن ينتظر حتى يفرغ الحمل فقال له: إنما أمرني سيدي أن أترك لك البعيرين بحملهما … وانصرف.
فرح الصادق بهذه العطية وهذا التفريج من عند الله، ومضت أيام وحدث زوجته ذات يوم، وقال أسأل الله أن يرزقني الله ابنا ذكرا يحمل اسمي وأن تقرّ عيني به … فقالت له تداعبه ولو لم يكن مثلك … قال ولو … ودعا الله أن يخفّف عنه ويرحمه ويهوّن عليه أمر الدنيا فهو لم يعد راغبا في الاستزادة منها … وصدقه الله فبعد عام رزقه الله ولدا اسماه الحاج على اسم صهره، ثم ألمّ به مرض فما لبث غير أيام حتى توفي سنة 1945 … مخلفا وراءه مآثر كأنها الخيال!!
هذا بعض مما كان الرجل عليه وأبوه كان أعظم شأنا منه، ولقد زرتُ بيته الذي عند أصهاره والتقيتُ ولده وحدثني بالحادثة كما روتها له أمه، وزرتُ بيت الرجل الشريف صاحب العطية وتحدثت الى أحفادهم ولازالوا يحتفظون بصينية النحاس … “صينية النعاس بن الصادق” ولكنهم طلبوا مني ألا اذكرهم بالاسم …
ولا أجد إلا قول المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلّهم *** الجود يفقر والإقدام قتّالُ
رحم الله كل من كان انسانا …

 221 المشاهدات,  2 شوهد اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *