حكايات شيوخ النزلات/ فاجعة الشيخ “لخضر بن عرعار” في وفاة ابنه وشهامته مع طفل أولاد بلول!!

Jean Baptiste Paul Lazerges, Ouled Nail, Djelfa, Caravane المرحول، أولاد نايل، الجلفة، تراث عربي هلالي إدريسي

بن سالم المسعود

الزمان … خمسينات القرن العشرين

المكان … مراعي “جبل الحمامة”، سيدي قادة، معسكر 

ها قد انتهى الصيف وأُكلت الحصائد وهو إيذان بحلول موسم الحرث في بلاد التل … وهاهو شيخ النزلة “لخضر بن عرعار 1890-1970” يأمر أولاده وزوجتيه وبناته بأن يستعدوا لموعد الرحيل إلى الديار … إنه الشوق إلى حوش النعاس والأهل والأحباب والخلاّن … لعلّ الشيخ لخضر قد اشتاق إلى زمن طفولته وشبابه أين تتلمذ بزاوية الشيخ النعاس. أما زوجته فاطنة (1904 أو 1897-1991) فهي في شوق إلى أهلها ومنهم أبوها الشيخ “طليبي محمد” المشهور بـ “سي محاد بن النوي” وهو معلّم قرآن بزاوية الشيخ النعاس … ولكنها لم تكن تعلم أن أمها قد توفيت وراءها طيلة غيبتها في الغرب …

نحن الآن في فترة خمسينات القرن العشرين … السلطة الفرنسية قد قيّدت تحركات قبائل وعروش ونزلات أولاد نايل ووضعت لهم وُجهة واحدة … ولهذا تُسمّى سنة 1950 بـ “عام العشابة” لأنه فيها أمرت سلطة المحتل الفرنسي موّالي أولاد نايل بالتوجه غربا إلى مراعي التل خصوصا تيارت … طبعا هذا لكي تكون حصيلة تربية المواشي وفيرة وبالتالي ضرائب أكبر للاحتلال الفرنسي … وبناء على أعمار أبناء وبنات الشيخ لخضر بن عرعار، وهُم الرواة الذين اعتمدنا عليهم، فإن القصة التي نحن بصدد سردها تكون قد وقعت بين سنتي 1950 و1960.

كان الشيخ “لخضر بن عرعار” قد اشتهر بأمانته وإتقانه لحرفة الفلاحة وتربية المواشي فاكتسب ثقة الأثرياء وأصحاب الأموال والمراعي … ومع طول إقامة نزلته بمراعي “جبل حمامة”، بنواحي معسكر، صار وكيلا على مال “القاضي أحمد بن حسن”، المتوفى سنة 1970، فارتبط الرجلان بعلاقة احترام وثقة ومودّة إلى درجة أن الشيخ لخضر سمّى عليه ابنه البكر “أحمد بن حسن” …

كان هذا القاضي يحترم نزلات أولاد نايل ويكرمهم ويُجزي لهم العطاء والكيل في الشعير والقمح ويمنح الفقراء منهم الزكاة والعشور … وكان القاضي قد تأخر عن الإنجاب رغم طول عهده بالزواج. وحدث أن أكرم عجوزا صالحة من “أولاد العڨون” تُسمّى “فريحة البسّامية” فدعت له بالخير وأن يرزقه الله تعالى الذرية الصالحة ولم يطُل به الوقت حتى استجاب الخالق الدعاء ومنّ عليه بما تمنّى منذ عشرات السنين … فوُلدت له “فطيمة” ثم “محمد” …

الفاجعة غير المتوقعة … 

النزلة تستعجل الوقت للرحيل يحُضّها في ذلك الشوق … لقد زاد النشاط من أجل تسوية كل المعاملات وتوديع من سيبقى في بلاد التل من نجوع أولاد نايلهاهي السيدة فاطنة تودّع صاحبتها من النزلة المجاورة … أما ابنها “أحمد بن حسن” فهو الرجل الثاني في النزلة بعد أبيه “الشيخ لخضر بن عرعار” ولهذا فإنه يُعتمد عليه كثيرا في أمر الرحيل … أحمد هو فارس النزلة والوكيل عن أبيه في المعاملات وهو الميّاز الذي يعرف البلدان فيختار أجودها للمرحول ومسار العودة إلى الديار … كان أحمد في الخامسة والعشرين من عمره وقد عرفه بدو منطقة معسكر بأنه الإبن الذي لم يلده القاضي حسن والمقرّب إليه.

قرّر الشيخ لخضر أن يبيع جزءا من أغنامه ليتخفّف للسفر فلا يتعطّل في طريقه ولا يشدّه مسير المواشي خصوصا في موسم خريفي متقلب قد تنقطع فيه السبل بالسيول والفيضانات … ولهذا كلّف ابنه “أحمد بن حسن” بأن يسوق “الجلْبة” ليبيعها في سوق المواشي بمعسكر …

انطلق الشاب بأغنامه في المساء ولعلّه قد وضع في الحسبان النزول بالسوق في الصباح لإتمام المعاملة التجارية باكرا ثم التسوق بما يحتاجه المرحول المتجه إلى “الڨبلة” … ولكن قد حدث ما لم يكن في الحسبان إذ تجهّم وجه السماء وسرعان ما تلبّدت بالغيوم وبدأ المطر يهطل بغزارة فانقطعت السبل بالشاب أحمد وبأغنامه … ولم يجد سوى دارا مهجورة لا تقيه من برد ولا مطر فأمضى ليلته تحت مطر يصح فيه المثل “خيط واحد من السما” … ثم لم يكد ينقشع الظلام حتى كان صاحبنا قد أصيب بنزلة برد حادة …

تأخر أحمد عن العودة مع الركب العائد من سوق معسكر … ولا نعلم هنا هل وصلت الأخبار إلى الشيخ لخضر أم أنه هو من تتبّع أثر ابنه وأغنامه أم أنه استعان بمتقفّي آثار “ڨصاص الجرّة” … المهم أدرك الشيخ لخضر ابنه بنواحي “جبانة سيدي قادة” فرجع بنجْله إلى النزلة وقد صار  في الرمق الأخير من عمره … انقلب الحال فجأة من نشاط وفرحة بالعودة إلى الديار ليصير الحال حزنا وكمدا وترقّب لما ألمّ بفارس النزلة “أحمد بن حسن” … الأم مكلومة والأب مفجوع والحيرة تطبع الجميع … طلبوا له العلاج عند الأطباء ونزلوا به عند “ڨبة سيدي قادة بن المختار” من أجل الرقية لأنه في عرفنا أن المريض الذي لا يمكن علاجه بالأدوية فهو به مس من الجن ولهذا قصدوا الڨبة التي يعرف عن شيخها لقب “قرّاي الجنون” ولكن لا جدوى من ذلك كله … ساعة موت أحمد قد حانت ولحظة ترجّل الفارس قد آنت … أسلم الإبن الروح في الزاوية فكانت الفاجعة على قلب شيخ يتحرق شوقا للديار فإذا بها حرقة فقدان فلذة الكبد … إنه أحمد الشاب الجميل والقوي، الذراع الأيمن لأبيه وفارس النزلة … وإنه أيضا أحمد الشاعر الذي يحفظ وينظم … فكان آخر كلامه وصية لأبيه في قصيدة ألقاها على أبيه وهو بين ذراعيه يُحتضر:  

روح لُمّي وڨلها لا تبكيني *** ومقصوب (مغصوب) الشباب ما جاش معايا

للأسف لم يبق من القصيدة سوى هذا البيت الشعري وفُقدت باقي الأبيات بوفاة حفظتها … ولكن الرواية متداولة في عائلتنا وقد ظلّ قبر “أحمد بن حسن” معروفا إلى فترة قريبة في مقبرة “سيدي قادة” بمعسكر … وكان مزارا للعائلة خصوصا والده المتوفى سنة 1970 … ويُروى أن صاحبة أم أحمد، لما غادر الرّكب شرقا، ذهبت إلى المقبرة وبكت عند قبر أحمد وهي تقول “يا فاطنة رُحتي وخلّيتيني أنا وأحمد” …

شهامة الشيخ لخضر بن عرعار مع الطفل البلولي …

يعود الشيخ “لخضر بن عرعار” مرة أخرى إلى بلاد التل بنزلته ومواشيه … ولكن خيال ابنه أحمد ما يزال يقضع مضجعه فقرّر شيخ النزلة تغيير المحطّ والنأي بمرحوله ومراعيه عن أي مرسم قد يوقد فيه ذكرى فلذة كبده …

هناك في بلاد التل في أحد المراعي كان الشيخ لخضر يحثّ الخطى لشأن من شؤونه. وما إن شارف على تلّة حتى سمع صوتا حزينا يغني فكَمَن ينصت لهذا البلبل الحزين:

أمَّى عيني وين صارت هاذيّ *** وين ناڨة قيددوا عنها مخلول

ذكروها لي في السواڨي للڨبلة *** عند نجع أولاد بلول

بكي الشيخ لخضر لهذا الغناء والكلام ثم تحرك نحوه وارتقى التلة فوجده طفلا يافعا يرعى الإبل … اقترب الشيخ من الطفل الشاعر وشرع يحاكيه ويحادثه ويحاول أن يقاسمه همومه … ثم إن الشيخ لخضر سأل الطفل عن حاله وسبب حزنه وبكائه فأجاب بأنه مشتاق لأمه المطلقة والتي رجعت مع مرحول أهلها إلى عين الإبل. رقّ قلب الشيخ لخضر لحال الطفل وتأثر بنظمه عن فراق أمه حتى صار حاله مثل تلك الناقة التي يُفصل عنها صغيرها (المخلول) والعرب هنا تقول “قيدد” على وزن “فعلل” وأصلها من “قيّد” أي ربطه عن مراده …

قرّر الشيخ لخضر أن يقف مع الطفل في محنة الفراق لعل ذلك يخفّف فاجعة فقدان ابنه أحمد … فسأله عن مقام أهله فاتجه إليهم …. التقى الشيخان وحصل ما حصل من تعارف بينهما وعرف والد الطفل مكانة الشيخ لخضر ووجاهته ومنزلته بين أهله وفي منطقة سيدي قادة. ولأن الشيخ لخضر أراد أن يجبر بخاطر الطفل مهما كلفه الأمر فقد حلف على والده بأن يرسله معه إلى نواحي عين الإبل ويمكث به هناك سبعة أيام كاملة عند والدته إلى أن يشبع من مجالستها ثم يعود به … وكان عهدا قطعه الشيخ لخضر وقد أوفى به وأعاده إلى نزلة قومه مجبور الخاطر.

هذه قصة من خصال الشهامة العربية التي اشتهر بها “الشيخ لخضر”، والد جدّتي رحمهما الله … ولقد حكى عنه من عاصروه أنه قد ظل إلى غاية وفاته سنة 1970 يبكي ابنه أحمد … كما حكوا عنه برّه ببناته وزيارته لهن وإكرامهن … وقد كان الوفاء ديدن الشيخ لخضر فهو لم ينس صديقه القاضي حسن فزاره في معسكر ولما رجع إلى دار الشيوخ وصله خبر وفاة القاضي ولم يلبث بعدها بأسبوع أن توفي هو الآخر … رحمهم الله جميعا.

اللوحة: القافلة للرسام الفرنسي جون بابتيست بول لازارغ 1845-1902  JeanBaptiste Paul Lazerges

 539 المشاهدات,  4 شوهد اليوم

الوسوم:, , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *