استقصاء/ السلاح والبارود في التراث الشعبي لمنطقة الجلفة

أولاد نايل، التراث العربي الهلالي الإدريسي، الفلولكلور، البارود، Ouled Nail, Djelfa, Folklore

بلخيرات سعد

يقول “حمدان خوجة 1773-1845” في وصفه لعرب التل والصحراء “ينظر هذا الشعب البدوي بعين الاحتقار إلى كل شخص بينهم لا يملك حصانا ولا بندقية ولا سيفا فلا يقبلونه في مجتمعهم ويقولون إنه لا يستطيع أن يعطيهم أي ضمان سواء من حيث تتميم واجباته أو من حيث الدفاع المشترك … ونلاحظ بين صفوف رجال التل فوارس بارعين مُتحلين بكثير من الشجاعة والمهارة فإذا استوى أحدهم على صهوة حصانه لا يتردد في مصارعة عشرين أو ثلاثين شخصا وهُم قادرون على دفع العدو وصد هجوماته، معترف لهم بالبطولة وعزّة النفس وقد اقتدى بهم أبناؤهم في هذه الصفات، وهُم أيضا لا يرضون أن يرتكبوا أي عمل يمتّ إلى الدناءة” …

حمدان خوجة يتحدث عن أخلاق ومضارب قبائل عربية منها قبائل بلاد أولاد نايل … ومن خلال هذه الشهادة التاريخية نرى أنها تتوافق مع ما تواتر عن اكتساب السلاح قديما كونه رمزا للسلطة والجاه ووسيلة للقوة والنفوذ في منطقة الجلفة وما جاورها. بل وارتبط ذلك بالسيادة على صعيد العشيرة والشرف والنخوة على صعيد الأفراد … لقد صنع أبناء منطقة الجلفة من لغة البارود ملاحم عظيمة في الذود عن الأرض سواء في تمردهم الضريبي ابان الحكم التركي أو الانتفاضات الشعبية ضد المحتل الفرنسي … فمن منا ينسى ما قامت به قبائل بلاد أولاد نايل طيلة قرن من المقاومة الشعبية من عهد الحاج موسى الدرقاوي إلى عهد الشيخ عبد الرحمان بن الطاهر طاهيري؟

لقد كان البارود رديفا ليوميات سكان منطقة الجلفة فتجلى في شتى مناسباتهم وفي تراثهم الطبي وصناعاتهم التقليدية وفي أمثالهم وأشعارهم وحميمياتهم وفي رحلات صيدهم وحتى في تسميات مضاربهم …

المعاليم … عائلات توارثت صناعة السلاح والبارود

من المعروف أن مصطلح المعاليم (مفرده مْعَلّم) يشمل ثلاث أصناف من الصناعات التقليدية وهي الحدادة وصياغة الحلي وصناعة السلاح والبارود. هذه الأخيرة اشتهرت بها عائلات كثيرة من قبائل وقصور بلاد أولاد نايل حيث لا تجد قبيلة أو عرشا إلا وفيها “فرقة” أو عائلة أو حرفي على الأقل وقد ذاع صيته في صنعة السلاح والبارود. 

إن صناعة السلاح والبارود في بلاد أولاد نائل قديمة قدم هذه المادة بسبب نمط المعيشة ووفرة مكامنها وانتشار البنادق سواء محلية الصنع (جعبة، فردي) أو الأجنبية منها كالإسطمبولي أو الإنجليزي والفرنسي والإسباني والتي عادة ما تسمى بـ “النصراني”. وهو نلمسه في بيت قيل بنهاية القرن التاسع عشر للشاعر “علي بن لخضر الشرفي”:

عيونك يا خادمي جعبات فتان *** من صنعة اسطمبول خاطي النصراني

ارتكزت هذه الصناعة في عهد الأتراك والاحتلال الفرنسي على المواد الأولية المحلية أو من غنائم الحروب والغزوات مما ساعد على تشجيع وتطوير هذا المنتوج الحربي والجهادي. فازدهرت ورشات صيانة وتركيب القطع أكثر من صناعتها. وكانت سلسلة إنتاج وصيانة البنادق تتوزع بين شتى مراحل حرفة “الحدادة”. وفي ذلك اشتهرت عائلات وتوارثتها جيلا بعد جيل مثلما هو الأمر لعائلة “زواي” بقصر “زنينة” وعوائل “غويني” و”نفطي” في قصور “دمد” و”مسعد” و”عمورة”.

أما بالنسبة للقبائل المنتجعة فنضرب مثلا “عيال المعاليم” من “أولاد بوخلط”، ومنهم عائلات “داود، ورشان”، من بطون أولاد أم الإخوة، وعائلة “محمدي” من بطون أولاد الغويني بن سي امحمد، وغيرهم … غير أن عرش “أولاد زيد” يبقى الأكثر شهرة ببلاد أولاد نايل وإليهم تنتمي عائلة “زواي” المذكورة آنفا.

صناعة وصيانة البنادق …

من “المعاليم” من تخصص في صناعة الماسورات (جعب لمكاحل) من صفائح الصلب المدعومة بـ “خواتم” فولاذية لتقوية صلابتها. والماسورة الواحدة قد يصل طولها إلى أزيد من متر ونصف (01.5م) بالنسبة للبنادق المحلية القديمة، في حين لا يتعدى طولها 80 سم بالنسبة ماسورات المسدسات “البشطولة”. وهذه الأخيرة هي كلمة اسبانية الأصل متداولة بمنطقة الجلفة.

ومن البنادق العتيقة تلك التي يتم حشوها بالبارود من الفوهة. ويطلق عليها بالعامية “لَوّاي كبسول بوحبة” وقد يكون الزند فيها مصنوعا بالتقنية الدمشقية أي أن المطرقة تُرفع يدويا وليست بصفة آلية. وهذه البنادق العتيقة، وإن كانت بنفس التقنيات، قد يظهر فيها جانب جمالي زخرفي يعكس ابداعات ومهارة المعاليم حسب خصوصيات جهوية في تنميق المقابض والأخمص عبر تقنيات النقش والترصيع والزخرفة بمختلف المعادن الثمينة كالذهب والفضة والنحاس وغيرها.

وقد يُغلّف ظهر الأخمص في بعضها بصفائح وفتائل فضية أو نحاسية لأغراض التنميق أو إخفاء الخدوش والشقوق. ويمكن أن يُزين بقطع زجاجية مختلفة الألوان والأشكال وبأصداف وأحجار جميلة الشكل والهندسة وهو ما لا يُحبّذه الصيادون والمقاومون لأنه عكس مقتضيات التمويه الذي يُشكل موضوعا لوحده سوف نطرقه لاحقا … وباختصار فإن الجانب الجمالي للسلاح يتوقف على القدرة المادية للفارس.

صناعة البارود العربي بنوعيه بمنطقة الجلفة …

إشتهرت مناطق أولاد نائل بصناعة حشوة البارود الأسود الدخاني ذو الجودة العالية بقصور “دمد” و “الشارف” وغيرها. يقول الشاعر:

عيّيتيني يا الحلفا بالتنتار *** وما يخدم خدمتك غير الحالف

انبات نخمم كم ربطة في القنطار *** وبخدمة لشرار ما نيش موالف

ضاري بكري في حياحي نا وصغار *** على ظهور الخيل والوقت مساعف

والبارود من الجعب يلقى صَرصَار *** مخدوم في دمد ولا في الشارف

وهاهو الشاعر “بن صولة أبو بكر 1888-1960 ” يتحدث عن البارود الدخاني:

 عجبني بارود من جعبو طواح *** شوفة عيني في السماء ضارب دارة

تنتشر أماكن استخراج ملح البارود في الكهوف والمغارات أو كما تسمى “المقالع” كجبل “تفارة” بمجبارة و”عيون مازوز” بزكار وكذالك في مواقع جنوب “جبال بوكحيل” و”عبد المجيد” و “واد جدي” و”قريقر” ونفس الأمر بالنسبة للأماكن التي تحمل اسم البارود حسب الخرائط القديمة لا سيما منها “سيناتوس كونسيلت” كما سنورده لاحقا.

وطريقة استخراج ملح البارود تتم بحفر تجويف بين الصخور والتراب حتى الوصول إلى الأرض الرطبة في الأسفل أين توجد ترسُبات لطبقات ملح “نترات البوتاسيوم” نتيجة الأكسدة وما يحويه من جودة وخصائص اشتعال مميزة.

يُجمع التراب وينقل ليُغلى في أواني لتركيزه، ويتم نشره فوق الحلفاء ليبيت على هذا النحو عدة ليالي معروفة بحساب مخصوص أو كما قال لي أحد كبار السن بلهجتنا “ينجّم ويسبّخ” ثم تجفيفه ثم يُكرر الى نوعين خماسي للأعراس (بارود عرّاسي) وألعاب الفروسية والبارود (الفنطازية) وسباعي للجهاد والصيد” … الأول يتميز بقوة صوته والثاني يتميز بنقاوته وقوة دفعه.

وعملية التجفيف تكون إما بطريقة آمنة وهي على حرارة الشمس أو طريقة المخاطرة على النار الهادئة والتي قد تسبب اشتعال وانفجار البارود مثلما وقع للشاعر “عبد القادر بن ركرك العلواوي” حيث وثّق لنا الدكتور إسلام عويسي هذا البيت عن اشتعال “القندورة والهرس أي البرنوس”: 

بين يديّ طارت الجمرة ليّا *** والڨندورة لاهبة واهدى لهراس

أما الشاعر “لمبارك حبيش” فيعطينا وصفا للطريقة الآمنة لتجفيف البارود:

اهل مرهّج من جعب صادي يڨدح *** دڨ الصيف مْيَبْسُو حُمَّان نهار

وعن ذكر “البارود السباعي” يقول الشاعر بن البكاي أحمد بلخضر المتوفى سنة 1953:

إذا أجلو اڨصاف يعمى من الابصار *** ويجي متنحي بيه حسّ الوحايا

نتڨعّد معاه بسباعي نحّار *** تتڨرڨع كيفان ذا يرد على ذايا

ناڨل لك بارود وازن في التعْكار *** بسباعي من نومرو واحد غايه

يُنشر ملح البارود للتجفيف على النجوم في ليالي معلومة وهذا من الأخطاء الشائعة والمغالطات التي لا أساس لها من الصحة حسب بعض رواة التراث. وبعد هذه العملية يترسب ملح البارود بنبات الحلفاء ثم تنقّى الحلفاء من الملح العالقِ بها وتُستخرج هذه المادة وتمزج بالكبريت وفحم أغصان شجرة الدفلة كثيرة الانتشار في مناطق الجلفة. وبقليل من الماء ومكاييل دقيقة ومعلومة وخبرة في التمرس تمزج كل هذه المواد الأولية.

يتم طحن الخليط في مهراس خشبي وبحذر شديد يتطلب الوعي بمدى خطورة هذه المواد. وقد روى لنا أحد الشيوخ عن صُنّاع البارود في البادية أنه يبني خيمته وحيدا منعزلاً عن خيم (النزلة) بعشرات الأميال لضمان سلامة أهله وتجنب أي شرارة نار وربما كذا لتسهُل عليه عملية تحضيره وتنقيته بعيداً عن غبار المواشي. 

تأتي بعد ذلك مرحلة التعبئة في قراطيس من قصب. فهناك بارود يسمى الأسود الدخاني أو “الخماسي” نسبة لعدد 05 كيلات ملح بارود مع الفحم والكبريت … بينما البارود الحربي فيسمى “السباعي” لأنه يتم فيه رفع تركيز ملح البارود إلى 07 كيلات … وهكذا تأتي المرحلة الأخيرة وهي إما البيع والتسويق أو التخزين للإستعداد للحرب أو الصيد أو المناسبات.

وعن جودة بارود دمد ينقل لنا الباحث شويحة حكيم ما قاله الجنرال “دوماس”، الذي كان مديرا مركزيا لشؤون العرب، في كتابه الصحراء الجزائرية الصادر سنة 1845، عن أن بارود دمد كان يباع في قراطيس من القصب الجاف يعتبر من أجود انواع البارود و أشهرها في الصحراء.

البارود في الشعر الشعبي لمنطقة الجلفة …

من المؤكد أن موروثنا الشعبي النايلي يختزل العديد من الصور الرائعة التي تناولت لغة البارود في مواضيعها، شعرا وأمثالا وقصصا استحضرت شهامة الشجعان وخيولهم وبنادقهم وعواطفهم من غزل وفخر ومدح …

وهاهو فحل الشعراء الشيخ بلخيري المحفوظ في منظومته “الأوصاف الثمانية لأولاد نايل” يقول في المدح والفخر:

وفيهم بوصيحة رصاص رباط الدار *** ويــح اللي قصدو ايامو يقصافو

مسقّم قرطــاسو مــوالم للــــزيّار *** وسلاح الفــــوار والـــم لصــــنافو

تحتو بوشقــــفة على الفزّة يشطار *** امنعّت معلــــوم ســــوّل عــرّافو

ايلا دق نقول ترشــــاق المســمار *** ايفتّت لحم الحوت بين اضــــلافو

يسهل قاع اللي عراضو للتكسـار *** ماكانش من شي يقــــــاوم للهــافو

يتفتّت دونو اللي ضاري عـــزبار *** يشّـــربل دمّـــو يعــــدّز نشّـــــافو

ويقول دائما في مدح أولاد نائل من قصيدة “مرسم الأجداد”:

مكسبهم قرح محاصن خير أعياد *** من راس المشوار تحسبهم طارو

ومكاحل فضة أزناد قبال زناد *** وعلى الضامن يتقدح تلهب نارو

وذراري تمسى مع صفة تصاد *** يلقط صادي في جعب من تكرارو

و من جلبة يقنصو راس العراد *** مسعاهم للريم يسعاو خيارو

وهاهي الماسورة يرد في القصيدة الغزلية الشهيرة “مسعودة” التي غناها خليفي أحمد:

والعينين مبرمين جعبات صيادة *** رافدهم عنتير للتلّ مسافر

والقشوة برّاڨ في سحابو سدّى *** ظهرة مسعد بان نجعو يتباشر

يقول الشاعر بن عيسى الهدار مادحا (1910_1984):

اسمعت عليه شحال قصة في قصة *** والشجاعة ليه راجل مولى باس

قرطاصو مربوط بارودو يڨسـى *** على شوفة لعيان يضرب بالرصاص

في الصحرا يصّاد لجدل بوعبسة *** متولع بالصيد بالحبة قــــياس

ويقول الشاعر الطاهر بن سعد بلخيري في مقطع من قصيدة مدحية في حق الحاج بن عيسى بلخيرات:

اهل زناد ذكير عبّاسو رايم *** قيس الوَمية يطلڨ النار خلالو

واهل قليزي نوع بوضلفة يبقم *** من فوڨ الربعة يلَزّز كيّالو

ويقول آخر:

البارود مكررو من قبل اليوم *** بوجعبة معلوم في لقطو كاسح

وهذا الشاعر علي بن المير “1840- الوفاة في بدايات القرن العشرين” يصف نجع السعادات:

ساڨ يذكر نجع خاوية المحزم *** عشّى المرڨب للمغيد دوارو

تسمع باروده مع البكرة يَبْقم *** والراڨد في النوم ذاك حكارو

ماهوش بارود الارذال محثرم *** بارود الطياڨ ساجي تكرارو

وقد سبق لنا أن وثقنا قصة “الحاج بن دادي” في بدايات القرن العشرين وفيها نجد شاعرة من التيطري تقول ساخرة:

ڨتلو نايلي لبّان يا شومان *** وزنادو كليلة ما ينوضشي

فترد عليها النايلية تذكّرها بحجم الإنفاق على تكلفة زخرفة الزناد:

ڨتلو نايلي مغروم قبل الصوم *** وزنادو مشلّل قيمتو حاشي

وسنجد من التراث قصيدة رجّح الأستاذ شويحة حكيم بأنها للشاعر علي بن النمير … وفيها يتحدث الشاعر عن البارود المجلوب من منطقة بريزينة مما يعكس حجم الطلب الكبير على البارود:

ضربونا ببريزيني طيبة مشهورة *** وعلى راس الـڤـوم داير خرارة

كما ورد ذكر البارود في القصة الشهيرة التي وثقها الصحفي الراحل “الطاهر بن عيشة” حيث نجد بطل القصة (عقد ولد النايلية) يقول:

سيري بینا يا عودة *** لْ عَڨد ولد النايلية وَحْشُودُو

إما سعينا راسو *** ولاّ ياخذ وجه من بارودو

ونجد الشاعر النايلي “محاد بن داود”، من أولاد سعد بن سالم، في قصيدته عن وصف الجمل والمنشورة بالمجلة الإفريقية سنة 1940:

عزري مزعوك جا يفتل من الجلبة *** شمّ البارود كي يسّريَح

ولا ييمكن أن ينتهي الحديث عن السلاح والبارود والصيد دون أن نأتي على فحل الشعراء محاد بن القعمز ((من أولاد أم الإخوة، 1875-1952)) حين قال مادحا:

البارود رديف ناسو تتعاند *** إذا سمعتو في المڨاسم هاهم جاو

الساڨة داروا على الدارة موعد *** وماديهم شوق الصيادة ليه مشاو

لي طارت في الهوا منهم تڨند *** الضرب لي اهلو على الصغر تبدّاو

البارود في الأمثال الشعبية والذاكرة الجلفاوية …

على ذكر البارود في الشعر فهناك أمثال شعبية كثيرة في منطقة الجلفة عن البارود. فيقال “فلان يضرب من بارود الجماعة” هذا المثل خاص بالشخص الذي لا يبذل جهدا بمفرده ويعتمد على غيره في صنع المعروف. 

وهناك مثل شبيه به سمعناه من عند الشاعر الفحل الطاهر بن سعد بلخيري وهو “فلان يجبد من بارود المخزن” ويضرب هذا المثل لمن له مال وثروة لم يتعب في كسبها ولم يبذل أي جهد في جمعها. 

ويقال فلان “ملحه بارود” وهذا كناية عن صنع المعروف وبرهان دعوة السخي. كما يرد المثل “فلان كلمته بارود” أو “كلمته رصاصة” اذا خرجت لا ترجع وهذا كنية عن الذي لا يتراجع ولا يتردد في قراراته حتى وان كانت على حساب مصلحته اذ اتخذ قرارا لا يعدل عليه مثل حشوة البارود اذا اشتعلت لايمكنها أن ترجع الى الماسورة. وهناك المثل القائل “قا بارود عرّاسي” وعادة ما يكون لوصف وعود أو تهديد أو وعيد بأنه مجرّد كلام لا يتبعه تنفيذ.

وتحفظ ذاكرة الموروث الثقافي الشعبي في مجتمعات الهضاب والصحراء حكايات الصراع بين القبائل والاغارات (عهد السيبة). وكذلك مع جنود المخزن العثماني حول تسديد الضرائب وبعدها جنود الإحتلال الفرنسي أيام الانتفاضات الشعبية. وقد استعمل الفرسان وقتها مكحلة “بوحبة”، والتي تطلق عيار وحيد أثناء المواجهة للتصدي للعدو وهجماته ويشترط قائد الكتيبة، مقدم الشجعان، من مرافقيه الفرسان الانضباط والامتثال لتعليماته ونصائحه بعد أن يكون اختياره قد وقع على الأجود من شباب القبيلة القنّاصة … فضلا عن قوتهم وقدرتهم على استعمال السيوف والخناجر بعد إطلاق البارود.

ويحفل تاريخ منطقة الجلفة بالكثير من الأحداث التي تسجل ملاحم بطولية للفرسان ودفاعهم عن القبيلة، كأبطال المقاومة ضد الإحتلال ممن حفظتهم الذاكرة كأبو موسى الدرقاوي وشريف بن الأحرش والتلي بلكحل والجامد بن سعد والشيخ حران وقويدر بن عمارة .. وغيرهم من أبطال المعارك. 

وبالنسبة للصيد والقنص فالبارود قد صار هو سيد الميدان وأحال على الهامش كل أنواع الصيد التقليدية من الفخاخ والكمائن والمطاردة … وعلى سبيل المثال فإن الطريقة التقليدية لصيد النعام كانت بالمطاردة إلى أن دخل البارود وصار الوسيلة المثلى ثم كان السبب في انقراض هذا الطائر في المنطقة. 

البارود في التراث الطبي والأسمائي بمنطقة الجلفة

يستعمل البارود العربي في الطب الشعبي “دوا لعرب” لمنطقة الجلفة لعلاج الالتهاب الكبدي (بوصفير) وضربات الشمس.

تتم طريقة العلاج التقليدية بـ “البارود الدخاني” أو المسمى “العراسي” عبر عملية التشريط “التشلاط” وهو خدش الجلد بأداة حادة ليوضع بعدها ملح البارود ويحك موضع التشريط من الجلد بالثوم الاحمر وهناك تشريط الاطفال على مستوى الجبين وهذا العلاج بمثابة تطعيم وتلقيح للأطفال لتقوية المناعة.

وقد اشتهر بمدينة الجلفة في الطب الشعبي عمّي “مصطفى قاسم” الذي كان مقصدا للعلاج من داء “الصُّفّير/ البوصفّير” باستعمال البارود مع تقنية “التشلاط”. مع العلم أنه كان اسكافيا ماهرا في صناعة “الصباط الطعبي”.

أما بالنسبة للتراث الأماكني فيوجد منطقة “فيض البارود” بنواحي أم الشقاق ببلدية القديد. و”صفية البارود” جنوب بلدية عمورة وغير بعيد عنها يوجد “ربيب المكاحل” بتراب بلدية أم العظام.

ولعل أشهر توبونيم للبارود بمنطقة الجلفة هو “قصر البارود” بدمّد الذي تحدثت عنه الوثائق الأرشيفية العسكرية الفرنسية بوصفه ينتج أجود بارود في الصحراء.

أما بالنسبة للتراث الأعلامي فيوجد بمنطقة عين الإبل لقب “شونڨاش” وهو نسبة إلى “الشعيرة”. وكلمة “شونقاش” ذات أصل تركي مما يحيل على وصول البنادق العثمانية إلى أولاد نايل وربما وجود حرفيين مختصين في صناعة أجزاء البنادق بنواحي عين الإبل.

بلاد أولاد نايل، أماكنية، Ouled Nail, Djelfa, Toponymie, Toponymy, الجلفة

بلاد أولاد نايل، أماكنية، Ouled Nail, Djelfa, Toponymie, Toponymy, الجلفة

البارود في الفلكلور الشعبي بالجلفة …

لعب البارود دورا محوريا في الفانطازيا التي تسمى أيضا “ألعاب البارود” أو “ألعاب الخيل” أو “ألعاب الفروسية”. كما أن الصيد لا ينفك عن البارود حتى سُمّي بـ “الصيد بالنار” نظراً لما تزخر به مناطق الصحراء والهضاب من طرائد كثيرة لفتت انتباه الرحالة الأوروبيين من أمثال الألماني “فندلين شلوصر”  والفرنسي “كليمون دوفيرنوا”.

أما بالنسبة للمعتقدات فنجد أن هناك من يضع القليل من البارود على رأسه لردّ العين الحسود.

ارتبط البارود بالفلكلور الشعبي لا سيما الرقص النايلي في منطقة الجلفة حيث يكون “سعداوي” أو “عبيدلي” ويكون بالخيل وبالسلاح أو بدونهما، وسنعود إلى فنون الرقص الشعبي في موضوع مستقل عن أنواعه ومناسباته ومظاهره وأدواته ولباسه.

معجم السلاح والبارود بالعامية العربية لمنطقة الجلفة:

مُكحلة: البندقية

المڨلوفة: البندقية

قرطاس: الخرطوش

جَعبة: ماسورة

السرير: الأخمص

اللَّوَّاح: حامي الزناد

الزناد: الزناد

الشونڨاش: الشعيرة

الڨنطرة: قنطرة

التّيّال: السدّادة

المشرب: الفوهة

يكرر: بمعنى انتقاء أجود البارود من مادته ليكون مخصصا للصيد والحرب، ويسمى “بارود مكرر”.

وُشْكة: هي كيلة رصاصة البارود وتكون في البنادق العتيقة والوشكة هي ورق خفيف به كيلة بارود، وهو مصطلح وثقه الأستاذ بن سالم المسعود في احدى نصوصه الرحلية.

البارود النملي: يكون مصنوعا بحجم رؤوس النمل. وقد ورد في المساجلة الشعرية الشهيرة المتبادلة بين الشاعرين صرصاب وشليقم :

صيد بلادنا حجلة وارنب *** وزين الخنوفة يفز مع لعلاب

وعبيرة على ليمنى ماكش غالط *** من بارود النملي شاطر قصاب

مهراس البارود: يكون من الخشب على الأغلب وأحيانا من الحجر.

الرزامة: أداة خشبية لسحق مركبات البارود وهي “ملح البارود والفحم والكبريت”.

فحم البارود: أجوده من جذور الدفلة

الحجرة: أو الڨبس وهي التي تصنع شرارة اشعال البارود

*****

صورة واجهة المقال: بادية فيض البطمة (الملاڨة)، تصوير: حبشي بلال

 

 497 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:, , , , , , , , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *