أ. فيرح عمر/ الموسيقى والإيقاع النايلي … قراءة في المنشأ والمسميات

التراث الموسيقي العربي، الموسيقى النايلية، الجلفة، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Ouled Nail, Djelfa, Musique des Ouled Nail, Ouled Nail music

فيرح عمر

قراءة في المنشأ والمسميات

 إذا أردنا أن نتحدث عن الموسيقى والإيقاع النايلي بالدراسة والتحليل فإننا نعود إلى الجذور الأولى للغناء والموسيقى البدوية الجزائرية بداية من طابع  “الآياي” الذي له ارتباط وثيق أو بالأحرى الأغنية الصحراوية التي يصل ارتباطها إلى عمق موسيقى وأغاني المناطق الصحراوية العربية  ذات الأداء اللحني والأسلوب الغنائي الثري بحركاته النغمية وإيقاعاته وزخارفه الموسيقية التي تتضمن أجمل وأعذب مقاطع التطريب.

 الإيقاع النايلي قراءة تاريخية

بعد قدوم القبائل الهلالية عام 1052م إلى شمال إفريقيا وتونس والقيروان نقلت معها زخما من التقاليد والفنون والآداب الجديدة من بينها الشعر الملحون والموسيقى الفولكلورية والألعاب الشعبية. حيث بقي هذا التراث لدى مجتمعاتنا التي تناقلته وساهمت في الحفاظ على مكنوناته رغم التغيرات الطفيفة التي طرأت على حالته الطبيعية فيما بعد.

ومع ظهور طبوع جديدة كطابع الأياي الذي اعتمد على الموسيقى الآلية القصبة والشعر الملحون لمرافقة المؤدي في الأماكن التي لا تتجاوزها حنجرة الفنان. ظهرت موسيقى آلية أخرى فولكلورية تستعمل في الأماكن العامة وهذا يعني  أن أغلب الأغاني الحالية بدأت بموسيقى فولكلورية وانتهت بأغاني محلية. وهي أقرب إلى الطقطوقات المتعارف عليها في الموسيقى العربية.

ومن المتعارف عليه أن الموسيقى ذات الإيقاع النايلي بقيت حبيسة الفرجة، إذ اقتصرت موسيقاه على آلة الغايطة والدف أثناء ألعاب الفروسية ومناسبات الزفاف في مضارب عروش أولاد نايل التي كانت تتباهى بالقوة في الحرب، وخلال رحلات الصيد حيث تفردت هذه القبائل والعروش بالإيقاع النايلي ليكون حاضرا في أعراسهم وانتصاراتهم، أما الأغنية النايلية البدائية كانت حكرا على النسوة يرددن كلماتها وألحانها دون إيقاع أو آلة أثناء النسيج وتحضير شؤون الخيمة، وعليه فإن الموسيقى الآلية بقيت على حالها دون أن تتأثر بالأنماط الأخرى طيلة العصور مرورا  بالفترة الاستعمارية، حيث أظهرت بعض الأشرطة الوثائقية فرقا فولكلورية تؤدي الموسيقى الآلية النايلية في أسواق المواشي.

وفي سنة 1969م تأسست فرقة عصرية أطلقت على نفسها اسم فرقة “أولاد نايل أو the nail’s children” بقيادة الفنان صلاح الرايس لكنها تؤدي الموسيقى الغربية فحسب وفي نهاية السبعينات تأسست فرقة أخرى تحت اسم “أولاد القمر-Moon Boys” بقيادة الفنان موسى صخري رفقة العازفين مايدي بلخير –خوجة عبد المالك –تريكي بشير-خوجة مختار- خذيري هشام – بن رمضان مصطفى –الرايس صلاح والشاعر حميدي معطار. ساهمت فرقة “أولاد القمر” في استرجاع الأغنية والموسيقى النايلية وعصرنتها  من حيث الآلات المستعملة إلى جانب إحياء الأغاني الإنجليزية المغناة آنذاك.

ولأن آلة متعددة الأصوات لا تحمل ربع التون، وكذا طبيعة اللغة الجديدة  خرجت الأغنية عن إحساسها الحقيقي، ورغم ذلك لاقت استحسانا من طرف الجمهور لأول مرة سنة 1979م بالساحة المقابلة لمقر حزب جبهة التحرير الوطني، ثم بسينما الكواكب في نفس السنة.

                                                             يا رجال القديد *** يا أهل المزار الخضرة                                                   

وين مولى حواص *** جلول راعي الحمرة

امتزجت الموسيقى الغربية بالشعر الملحون لتعطي تجديدا في طابع الموسيقى والأغنية النايلية، وهذا في وجود “مسرح القوّال” منذ الستينات الذي أسسه الشيخ أحمد بن فتاشة الملقب بـ “صميدة” المطرب والعازف على آلة الكمان، والذي ينظم أسبوعيا حفلاته وسط سوق المدينة رفقة الشيخ القندوز، ويحمل هذا النمط الغنائي أشعارا محلية دون إيقاع وهي من الطابع الصحراوي “الأغنية البدوية”.

وبعد ظهور فرق التقصاد التي أسسها الشيخ سي أحمد لمين والشيخ عبد الهادي المسعدي اشتهرت بقصائد السفينة القادرية وقصائد شعراء الملحون المحليين أمثال بن صولة وبن الحرمة حيث استحسنها جمهور الجلفة بعد الحفلات الأولى في الجلفة ومسعد وحاسي بحبح، وقد ذاع صيت هذا الطابع الآلي الغنائي الذي استعملت فيه آلة العود والكمان والدف، ونبغ فيه عازفو العود الأوائل أمثال عبّاد، وبن الهيّة، ولاقى إقبالا في كل قرى ومدن ولاية الجلفة، إلا أن ألحانه أغلبها ألحان تونسية ومصرية معروفة وضعت عليها الأشعار المحلية. وبرزت فيه بعد ذالك أسماء كثيرة أهمها بلحاج عبد القادر ومحمد شريك وعائدي التواتي.

ومع حلول عام 1983م، شاركت فرقة “أولاد القمر” في مهرجان الأغنية العصرية بوهران رفقة الفنان موسى صخري، وفازت بالمرتبة الأولى لأحسن مطرب وأحسن فرقة، فكانت لها بعد هذا النجاح مشاركات وطنية أهمها مستغانم.

وبحكم طبيعة هذا النقل والحفظ من فنان إلى آخر بتوالي الأيام، أُضيف في مقدمة الأغنية النايلية موال “الآياي” في الاستهلال، وذلك لشدة تعلق الجماهير  به بعدما أبدع في هذا الموال الفنان “خليفي أحمد” الذي تعلقت به حناجر الفنانين، بالإضافة إلى الصلة الوطيدة التي ربطته بالجلفة وتحولت إلى الأغنية التي نجدها حاليا، من خلال ظهور أغنية “قادر يا قادر”، وأغنية “يا لالّة يا تركية” التي سجلهما وأداهما الفنان مداني بن حاج لأول مرة سنة 1984م، وهي خالية من ربع “التون1/4″، وأعاد تسجيلها في سنة 1994م، ثم بُثت سنة 1994 في “حصة صباحيات” بالمؤسسة العمومية للتلفزيون الجزائري.

وبما أن الدراية بأصول الموسيقى تلعب دورا هاما في البحث، فإن الأستاذ عبد الرحمان ساسي الملقب بـ “عبدو” استطاع أن يعيد ملامحها العربية الحقيقية بإدخال “ربع التون” وقدمها للجمهور في كلمات جديدة ولحن طربي، لكن بإيقاع “الزندالي” بدل الإيقاع “النايلي المعروف”، وهي محاولة جديدة منه للتقريب بين الإيقاعين على سبيل التوسّع في اللحن وخلق مساحة كبيرة للأداء اللّحني، وإضافة اللوازم الموسيقية، وأول ما قدّمه للجمهور تلفزيونيا أغنية مطلعها:

عينان عينان كي جات تترفّد فالروبة *** خلخالها ذوّادي واسخاب درباتو حدة

ومن هنا بدأ اهتمام الفنانين بتسجيلات أعمالهم الفنية، وهنا نتوقف عند محطة هامة من محطات الاهتمام بالطابع الصحراوي والغناء البدوي امتدت من سنة 1981 إلى غاية 1986  ساهم فيها السيد “أحمد شعيب الجلفاوي” بقدر كبير للحفاظ على التراث الصحراوي، حيث دعم أشهر الفنانين المعروفين بهذا الطابع، والذين اتخذوا من الجلفة بوابة لبداية مشوارهم الفني أمثال الشيخ البار عمر، والشيخ القندوز، والشيخ الصديق، والشيخ صيفية، الشيخ رحاب الطاهر.

أما الموسيقى والغناء النايلي، فقد انتقل إلى مصاف الطبوع الجزائرية الأخرى من خلال تسجيلات الأصوات الشابة أمثال الفنان عابد ثامر سنة 1993م، والفنان لخضر كيحول الملقب بـ “ديديا” رفقة فرقة النجوم بقيادة كمال زريعة والتي تضم الفنانين كربوعة محمد، طه العقون، كيسي صابر، مباركي نورالدين، محمد براهيمي ونعومي النعوم حيث أدت أغنية الراي والأغنية النايلية وفازت بالمرتبة الأولى سنة 1993م في مهرجان الأغنية العصرية بوهران. وتم تسجيل شريط نايلي آخر للفنان سعد سالمي سنة 1997م، ومشاركة الفنان عابد ثامر والفنان عبدو والفنان كيسي صابر والفنان مداني بن الحاج في ليالي الجزائر سنة 1997م،  لتتوالى مشاركات الفنان محمد شريك رفقة أشهر الفنانين منهم كمال النايلي والفنانة نايلة في التظاهرات الكبرى أهمها الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007م وتظاهرة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية 2011م، بعدما وظّفه ملحنون كبار في أعمال معتبرة تحمل أغلب الروافد الموسيقية الجزائرية، وظهر هذا في ملحمة الجزائر حيث قدم الموسيقار “محمد بوليفة” لوحة نايلية من تلحينه وغنائه رفقة بعض الفنانين الشباب،

أبرزت هذا الطابع ومنحته مكانة لائقة إلى أن وصل إلى مهرجان تيمقاد بحنجرة الفنان حميدة لسبط الملقب بـ “حميدة النايلي” ليدخل بالأغنية النايلية إلى أشهر المهرجانات الجزائرية دعاية ورواجا.

الموسيقى النايلية إيقاع ومسميات مختلفة

تعتبر الموسيقى بآلاتها وإيقاعاتها مصدرا من مصادر التاريخ، إذا اعتمدت على التدوين والكتابة الموسيقية، لأن التدوين في الحقيقة هو تاريخ لموسيقى تبنى على أحاسيس الشعوب ومعرفة طبيعة تواصلهم واحتكاكهم وتأثرهم بالأمم الأخرى التي صنعت فنونها وآدابها.

وفي عدم وجود التدوين الموسيقي تبقى المصادر قليلة، إلا ما جاء شفاهة تتناقلها الشعوب بمسميات مختلفة تخرج أحيانا عن واقعها الحقيقي.

وإذا كانت الموسيقى تعتمد على عنصرين هامين هما “الصوت والإيقاع”، فإن الموسيقى النايلية التي يقصدها الدارسون تتميز بالإيقاع الفريد وخصوصيته المحلية، أما عن الموسيقى فهي أصوات موسيقية مختلقة معروفة منذ الأزل.

فعندما نتحدث عن الموسيقى النايلية فإننا نعني الإيقاع المركب الراقص الذي نسمعه فقط لدى عروش أولاد نايل، ولكن بمسميات عديدة تفرضها سرعة الإيقاع من منطقة إلى أخرى فإذا اتجهنا إلى البيرين نجد هذا الإيقاع ثقيلا ويطلقون عليه اسم “الجابري” نسبة إلى الجوابر. تستعمل فيه آلة البندير  والغايطة الطويلة، وقد حاولتُ في بحثي أن أطلق عليه المصطلح الموسيقي andante كوسيلة للتمييز بين الايقاعات في جهاز المترونوم.

أما الإيقاع الخفيف المسمى “السعداوي” نسبة إلى “السعادات” وهم أولاد سعد بن سالم المتواجدين في عين الإبل، يتميز بالسرعةallegro ، أما ما يميُزه ثانيا اعتماده على آلة “الغايطة” متوسطة الطول، والخاصية الثالثة هي الرقص التعبيري الذي يرافق هذا الإيقاع، فعند الرجال نجد الراقص يقوم بثلاث قفزات إلى الأمام ثم يقع على رجليه مقدما الرجل اليمنى على اليسرى، لينتصب بكل جسمه تعبيرا على الاستراحة بعد الحركة، أما عند النساء فنجد حركات تعبيرية أخرى مأخوذة من عمل المرأة النايلية البدوية مثل حركة اليدين بطريقة غزل الصوف والنسيج وتارة أخرى “خض الشكوة” المصنوعة من الجلود والمخصصة للحليب واللبن.

وأما الإيقاع النايلي الثالث من حيث التسمية فهو “النايلي الفزّاعي“، ويتوزع في بوسعادة، وتُوظف فيه نفس الآلات سابقة الذكر، إلا أنه أسرع من السعداوي، وآلة الغايطة فيه قصيرة ونستطيع أن نطلق عليه مصطلح السرعة   ALLEGRETTO حتى نميزه عن غيره من الإيقاعات.

وهناك إيقاع آخر أفقي يختلف عن الأنواع الثلاثة السابقة، وهو المعروف بـ”الدّارة” أو إيقاع “الحال”، وهو إيقاع عرفته عروش وقبائل أولاد نايل منذ زمن بعيد، وهو معروف كثيرا عند أولاد “عبيد الله” و”المخاليف”، ويحتوي على شكلين مختلفين:

الدارة الثقيل: وتستعمل فيه الفرسان والبارود معا.

الدارة الخفيف: ويطلق علية رقصة الفرسان وتستعمل فيه الفرسان فقط حسب حركة الخيول وهي ترقص.

اللوحات التعبيرية المصاحبة للإيقاع النايلي

الإيقاع النايلي من الإيقاعات الراقصة التي تخضع لحركة الجسم العمودية، فالراقص يؤدي حركات من أعلى إلى أسفل، وهذا يعني انتقال الإحساس من الحركة التعبيرية إلى الهدوء والسكينة في نهاية مشوار الإيقاع، والمتتبع للحركة الناتجة عن الإحساس بالإيقاع يرى انسجاما كليا للجسم مع الحركة مباشرةً بعد الإحساس بـ “دمّاته وتكّاته”.

أما إيقاع الدارة أو الحال، فهو تعبير أفقي راقص بشكل مسار دائري بعد الحركة الأفقية للراقص من اليمين إلى اليسار.

المقامات المشهورة المستعملة في الموسيقى النايلية

استطاعت الموسيقى النايلية أن تحافظ على ألحانها القديمة ذات ربع التون، رغم التخلخل والتضعضع الذي أصابها بعد التأثر بالموسيقى الغربية، لاسيما في فترة السبعينات في ظل عدم وجود آلات معرّبة تحافظ على شخصية  المقامات، إلا أن الذوق العام بقي مستسيغا لكل الألحان التي مرت بها الأغنية النايلية.

ولعل ميزة السماع والحفظ والتناقل ساعدت على توصيلها بسرعة إلى الأجيال الجديدة. وماهو معروف أن الموسيقى النايلية لا تستعمل كل درجات المقام، نظرا لتركيبة الإيقاع النايلي الضيقة، فيكفي أربع درجات صوتية أو ثلاث لتلحين أغنية نايلية، مثلا على الراست المسمى بالترياش أو البيّاتي الذي يقابله “السروجي”، أو “السيكاه” المعروف بـ “العايدي”.

إلا أن هناك ضوابط موسيقية يجب التقيد بها، لاسيما وأن آلة القصبة تستوجب مساحة يحددها صوت الفنان الذي يؤدي هذا الطابع حيث يمكّنه من الالتزام بالمبادئ الأولية للموسيقى، فيكون تحديد الدرجات الصوتية على النحو الآتي:

– مقام الراست أو الترياش: يرتكز على درجة النوا “صول”.

– مقام البياتي أو السرجي: يرتكز على درجة الحسيني “لا”.

– مقام السيكاه أو العايدي: يرتكز على درجة الأوج “سي نصف بيمول”

وقد تم شرح هذه المداخلة نظريا وتطبيقيا رفقة الدكتور بشير ضيف الله والHستاذ بلقاسم شايب والفنان صادق عباس ، وبحضور نخبة من أدباء الولاية أثناء الطبعة الثانية للمهرجان 2015م.

الخاتمة

تنحدر الموسيقى النايلية من أصولها الموسيقية العربية ذات المقامات، أو الطبوع العربية التي مالت إليها الآذان، واستشرفت إلى سماعها النفوس وأخذت تتذوق حلاوة ما فيها من ألحان وصلتنا بالتدوين أو بالسماع.

إلا أننا نستطيع القول أن الطابع الجزائري النايلي بدأ غناءً فردياً، ثم تحوّل إلى فولكلور، وانتهى إلى موسيقى غنائية إيقاعية في نهاية السبعينات، بالإضافة إلى أن خصوصيته تكمن في إيقاعه الراقص والمتفرد عن بقية الإيقاعات الجزائرية والعربية.

بقلم/ عمر فيرح مفتش التربية الموسيقية

أستاذ وملحن وباحث في الموسيقى / الجزائر

البريد الالكتروني: firahbayati@gmail.com   

الانتساب لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة رقم البطاقة : 6777

الموسيقار والملحن الأستاذ فويرح عمر، التراث الموسيقي العربي، الموسيقى النايلية، الجلفة، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Ouled Nail, Djelfa, Musique des Ouled Nail, Ouled Nail music

الموسيقار والملحن الأستاذ فويرح عمر، التراث الموسيقي العربي، الموسيقى النايلية، الجلفة، التراث العربي الهلالي الإدريسي، أولاد نايل، Ouled Nail, Djelfa, Musique des Ouled Nail, Ouled Nail music

 275 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.