من مظاهر المعيشة البدوية في مضارب أولاد نايل … عيال “أحمد بن بن يطو بهناس”!!

بهناس أحمد، أولاد نايل، الجلفة، تراث عربي هلالي إدريسي، Ouled Nail, Djelfa

بن سالم المسعود

تقديم:

بين أيدينا مقتطف توثيقي من الجزء الأول من كتاب “بوح الضمير” للأستاذ المفتش ومربي الأجيال بهناس أبو ريان أحمد بن الحاج سعود بن أحمد بن بن يطّو. والكتاب هو عبارة عن سيرة ذاتية لمؤلفه تمتد الى سنة 1981. وقد صدر عن “دار تمكين للطباعة والنشر” عام 2018 مع تقديم للدكتور السعيد موفقي.

يُعتبر هذا الكتاب عملا توثيقيا مهما من الناحية التراثية لما رواه الكاتب عن معيشة أهله في مضاربهم ببادية “أم الرانب”. وهذا النمط من المعيشة يجمع ما بين نمطي البدو الرحل والقصور الذين تميزت بهما عرب بلاد أولاد نايل القارّة والراحلة.

وقد وجدنا المؤرخ الأمريكي بنجامين كلود براور يتحدث عن هذا النمط الجديد من المعيشة بربوع أولاد نايل والذي أخذ فيه البدو الرحل يتجهون نحو الاستقرار تدريجيا. بنجامين براور كان بصدد وضع مقدمة لموضوعه عن انتفاضة بوشندوقة سنة 1861. 

ونحن نعتقد أن نمط المعيشة “شبه القارة” كان موجودا منذ القدم ولكنه أخذ في الإنتشار بفعل الإحتلال الفرنسي وسياساته لا سيما منها القانون المشيخي “سيناتوس كونسيلت Synatus Consulte”. وهو قانون صدر سنة 1863 لتثبيت القبائل ثم بدأت نصوصه التطبيقية تصدر تباعا إلى أن صدرت المراسيم القاضية بدمج أعمالها … وباعتبار آل بهناس ينتمون إلى “دوّار أولاد عبد القادر” فنشير الى أن المرسوم الشامل لأشغال سيناتوس كونسيلت قد صدر في الفاتح من أكتوبر من سنة 1923.

مدونة الكاتب بهناس أحمد: اضغط هنا

النص:

“في عام 1922 ولد أبي رحمه الله ببلدية: (زمزاش) حد الصحاري الآن، من عمالة (تيطري) التي قسمت بعد استقلال الجزائر إلى عدة ولايات، منها ولاية الجلفة التي تقع فيها بلدية حد الصحاري …
والمنطقة التي ولد فيها أبي منطقة ريفية فلاحية تسمى (أم الرائب) بين سفح جبل من جهة شمالها وسبخة من جهة جنوبها ، وهي نفس المنطقة التي ولدت فيها أمي حفظها الله وأطال بقاءها، وهُما كلاهما من عائلة واحدة هي (بهناس) وكل عائلة بهناس الذين كانوا يُكوّنون مجتمع صغيرا في ما بينهم، مجتمع مبني على التعاون والتكافل والإنسجام … وكانت الجزائر المستعمرة آنذاك تعيش مخاضا قاسيا يجهل مصيره، خاصة بعد كارثة 08 ماي 1945 وهي حوادث خراطة وقالمة وسطيف، والتي استشهد على إثرها ما يتجاوز 45 ألف شهيد.
وحسب ما روى لي أبي رحمه الله فإنهم كانوا لا يفقهون كثيرا في سبب وجود حکام تختلف ألوانهم ولغتهم عن بقية الشعب البدوي الذي يعيش على الزراعة والمقايضة ولكنه يشعر بغرابة الأمر، ولا يجد له تفسيرا”.
“عندما توفي جدي أحمد رحمه الله ترك ثلاثة أبناء ذكور هم على الترتيب العمري كالتالي: يحيى، سعود، المبخوث، وهذا الأخير أخوهم لأبيهم فقط، والاثنان أخوان شقيقان، وترك أربع بنات من على التوالي: حدة وخضرة، وهاتان أختان شقيقتان لعمي يحيى وأبي، ووحشية وهي أخت شقيقة لعمي المبخوت، وترك بنتا رابعة هي الزهرة أخت للجميع من امرأة ثالثة. وأما نساؤه فكن ثلاثا: أم السعد وهي والدة أبي وخيرة والقائمة وكلهن توفين بعده بكثير.
وبعد وفاته تولى تسيير شؤون العائلة عمي يحيى رحمه الله الرجل الكريم الجواد صاحب الفضائل والذكر الجميل.
وبقيت العائلة تعيش وفق النظام الذي تركه جدي من منتصف الأربعينيات إلى منتصف الستينيات، ولم يحدث أي خلل يذكر إلا ما فرضته عليهم أحداث الثورة المباركة.
في سن العشرين من عمره، ذهب أبي إلى زاوية الهامل، وانتسب إليها متعلما لحفظ القرآن الكريم، ثم دراسة المتون المعروفة آنذاك في الفقه المالكي، وبقي عمي هو المشرف والوكيل على إخوته وأخواته.
وعائلة بهناس كلها تتجمع في منطقة ريفية واحدة، على مسافات متقاربة، بحسب جغرافية الأرض وتضاريسها، يقتسمونها في ما بينهم حسب موروث كل عائلة عن آبائهم وأجدادهم، وكانت أرضنا تقع في الوسط.
غير أن زعامة العائلة البهناسية الكبيرة في (أم الرانب) كانت تحت امرة عمي يحيى الذي تؤول إليه المشورة والقرار في كل ما يعترض العائلة أو يمس شخصا منها في أرضه أو ماله أو عرضه، وهو الذي يحضر كل شؤونهم أفراحا أو أقراحا وهو الذي يصلح ذات البين ويسوي بين المتخاصمين بماله ووعوده وفي السراء والضراء وحين البأس.
ولا يوجد من يتجرأ عليه أو يرفض أو يخالف رأيه. ولا يُستثنى من ذلك إلا ابن عمهم الكبير بهناس علي الذي كان موظفا بالدولة آنذاك، والذي هو الآخر صاحب فضل عليهم وقدر مع أنه كان بعيدا عنهم يتنقل من جهة الأخرى بحكم الوظيفة والعمل مع القياد والحكام الفرنسيين.
وعمّي كان يشرف على أعمال فلاحته بنفسه يحبها ويتقنها، فإذا جاء الخريف فهو الذي يقف على أعمال الحرث من بدايتها إلى نهايتها، وفي الحصاد نفس الشيئ، وهو الذي يقوم بشؤون أغنامه من علف الى علاج إلى إنتاج الخراف ثم بيعها واستبدالها بنعاج للتناسل والتكاثر، وكذلك يفعل في كل المكسوبات من جمال وأبقار وبغال وأحمرة.
ولما بلغتُ السن التي تسمح لي بوعي ما يجري أمامي وإدراك ذلك وجدته يقوم بهذه الأعمال كما وصفتها، أما أبي فكان عمله ضئيلا جدا لا يتعدی سقي الماء أو تقديم الأوامر لغيره، وبقية وقته يقرأ القرآن في غرفته، أو يحكي مع والدته في أحسن الأحوال.
أما عمي الأصغر فإنه جامد ولا رأي له ولا مبادرات، وهو ينتظر الأوامر تعطى له كي يشرع في عمل ما يسند إليه، إلا أنه كان ينشط في مجالات معينة كالسقي والإحتطاب وتقديم الأعلاف.
كانت عائلتنا تعتمد على الإدخار في معيشتها وفي كل شؤونها ابتداء من القمح الذي يُخزن في المطامير والسمن في الجرار والجلود، والتبن الذي تُبنى له البيوت على شكل صدر طائر ويُطلى بالتراب الأحمر المخلوط بالجير فتنزلق عليه الأمطار ولا تنفذ داخله، فيبقى محفوظا، وهو الذي يُقدم إلى الحيوانات في الشتاء عندما تجدب الأرض أو عند حلول جفاف.
وعاينتُ عند إدراكي أن عائلتنا میسورة الحال جدا، فهي تعيش على الحليب ومشتقاته واللحوم الحمراء والبيضاء، مع ندرة في الخضر التي لا تُشترى إلا في مواسم معينة وبالمقايضة أحيانا … هكذا كانت عائلتنا وتشبهها كثير من العائلات الأخرى في ذلك الزمان من القرن العشرين”.

 155 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:, , , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *