ملامح ثقافية واجتماعية من منطقة حد السحاري

حد السحاري، الجلفة، أولاد نايل، Ouled Nail, Djelfa

أ.د/ عبد الوهاب مسعود (**)

تحتل بلدية حد السحاري موقعا متميزا جعل منها مركز عبور هام ونقطة التقاء تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، وهي تقع في الشمال الشرقي لولاية الجلفة شمال الأطلس الصحراوي، وجنوب الأطلس التلي.

يُقدّر ارتفاع منطقة حد السحاري على مستوى سطح البحر بـ:870 متر،كما أنها تعرف بجبالها (جبل السحاري الظهراوي) يتخلله غطاء نباتي متنوع، وهي تتمركز في حيز طبيعي يتميز بالتضاريس تتخلله أراض سهبية ومجموعة من السلاسل الجبلية وتغطي الغابات مساحة 18400 هكتار. أعلى نقطة بها هي “فڨنونة” تقع في جبال الڨعدة على علو 1363م.

كانت مدينة حد السحاري تسمى “زنزاش” وأصل هذه التسمية إنما يعود إلى حقيقة تاريخية وهي القبائل التي سكنت منطقة “المشنتل” واستقرت بها وتحصنت بجبالها، وهي قبائل “بني سنجاس” وهذه التسمية هي نفسها “زنزاش”. يذكر ابن خلدون بني سنجاس ووجودهم في أماكن تابعة لمنطقة الجلفة إذ يقول “ومن بني سنجاس هؤلاء بأرض المشنتل ما بين الزاب وجبل راشد” أوطنوا جباله في جوار “غمرة” وصاروا عند تغلب الهلاليين في ملكهم يقبضون الأتاوة منهم، ونزل معهم لهذا الوهد “السحاري” من بطون “عروة بن زغبة” وغلبوهم على أمرهم وأصهروهم”. 

يوجد السحاري في عدة مناطق وهُم  سحاري أولاد إبراهيم ويتمركزون في مدينتي: حد السحاري وعين افقة،  سحاري أولاد يونس ويتمركزون في مدينة الجلفة، سحاري أولاد كانون ويتمركزون في الجلفة- سيدي بايزيد- دار الشيوخ، سحاري أولاد راشد ويتمركزون في المدية- الجلفة، سحاري البيطام ويتمركزون في باتنة، سحاري لخراج ويتمركزون في بسكرة، سحاري أولاد معين ويتمركزون في تيارت، سحاري أولاد ميمون ويتمركزون في الجلفة، سحاري الديدان ويتمركزون في المدية، سحاري أولاد يحي ويتمركزون في الجلفة، سحاري أولاد يعقوب ويتمركزون في الشارف، 

توجد بمنطقة حد السحاري قصور تحتاج إلى دراسة تاريخية كبيرة لأنها تؤرخ للمنطقة إضافة إلى بعض الغرف. هذه المناطق لا يعرفها إلا كبار المنطقة وبعض المهتمين بالتراث من مثقفي المنطقة والجمعيات المحلية ومن بين هذه القصور: قصر بني ساسي وهو قصر كبير، قصر هارش، قصر سيدي داود (الرميلة)، قصر رملاية الخرفي (جهة أولاد ساعد)، قصر حاسي التوتة وآثاره موجودة، قصر السلوم (آثاره موجودة) وقصر المنكب، قصر خنق العدة، قصر سيدي الزوجي وهو رجل صالح سكن هذه المنطقة وهذا القصر عريق في أجمل منطقة في جبل السحاري كونها سياحية قديمة وعتيقة وفيها مقابر كثيرة لازالت إلى اليوم. كما تحتوي على عدة غرف وبها بعض الحدائق لازالت أشجارها مثمرة إلى حد الآن.
أما الغرف فهي: غرفة عمر الوهراني، غرفة “السري بن قليز” عبارة عن كهف،  غرفة الرهباني، غرفة البارود.
ومن المقابر الموجودة بالمنطقة: مقبرة الفڨنونة، مقبرة حاسي التوتة، مقبرة رملاية الخرفي، مقبرة بن سديرة ومقيرة الحنوس.

دخل الأتراك أرض الجزائر سنة 1514 بداية من بجاية ثم مدينة الجزائر 1516 بعد أن أخضعها الإسبان لهم وفرضوا على أهلها الجزية. وكانت بويرة السحاري يومئد غير بعيدة عن الأحداث خاصة ما تعلق بالإضطرابات السياسية
والإنقلابات الإجتماعية التي عمت الجزائر آنداك لكن السحاري لم يعبأوا بهده الإضطرابات فالتفّوا حول قادتهم ورؤسائهم من شيوخ القبائل ورفضوا أي سلطة مركزية عثمانية.
لما تفرغت الدولة التركية من السيطرة على السواحل الجزائرية التفتت إلى توسيع نطاق حكمها وأدركت يومئد أن هؤلاء الأعراب قد أعلنوا عصيانهم على الحكومة التركية فلم تخضع للضريبة فخرج دايات الجزائر عن حزبهم ضد هؤلاء وتحركوا اتجاه الأغواط ، آفلو، زنينة، عين ماضي، تاجموت والتي كان يمثل فيها السحاري الغالبية بحكم تواجدهم وإستقرارهم هناك فنشب بناحية الأغواط ثورة عارمة امتد لهيبها إلى المدينة وبوسعادة. ونظرا لقوة الأتراك فقد خضعت كل هذه المناطق لحكمهم وأنشأوا قلاعا لهم في جبل السحاري.

ولعل آثار الحجارة المسماة “أحجار الأتراك” دلالة على استقرارهم. فأصبحت بويرة السحاري تابعة لبايلك التيطري وقد سماها الأتراك “بويرة السحاري” لكثرة ينابيعها المائية ونسبة إلى سكانها السحاري وكان دلك مند 1952 م.

الملامح الإقتصادية والإجتماعية … 

تعتبر منطقة حد السحاري منطقة فلاحية ورعوية مثلها مثل بقية بلديات الولاية ويغطي نبات الحلفاء نسبة من أراضيها حيث تستغل 16579 هكتار. تعد الفلاحة القطاع الوحيد الذي يعتمد عليه سكان البلدية وهُم يهتمون كثيرا بتربية الماشية وغيرها وتعرف بهم فمنها رزقهم وصوفها لباسهم. إضافة إلى اشتهارهم بتجارة التوابل.

ومن بين الصناعات التقليدية في حد السحاري:
1 /الصوف: ويصنع منه الزربية- الحنبل- البرنوس- القشابية- الكسى
2 /الحلفاء : ويصنع منها الحصير- الساجد- الطبق- الكسكاس- البردعة- القنونة- السعفة- المحقن-
3 /الطين : ويصنع منه الصحن- الطاجينم- الشبرية- البرمة

أما الحياة الثقافية للمنطقة فهي مختلفة الألوان والأشكال حيث كان الناس يعتمدون على الكتاتيب في التعليم ونشر الثقافة الدينية التي كانت المجال الوحيد الذي يحسنه المعلمون فيها حيث كانوا يحسنون تحفيظ القرآن الكريم والأحكام الفقهية. كما كانت بعض العائلات ترسل أبناؤها إلى زاوية الهامل ببوسعادة وقد كانت هناك مدرسة للتعليم في العهد الفرنسي درس فيها بعض أبناء المنطقة خاصة أبناء الحكام والقياد لكن الكثير من أبناء المنطقة لم يستطيعوا التعلم وذلك نظرا للظروف الاجتماعية وكذا مضايقة الاستعمار .

وقد كانت هناك مناسبات تنشط فيها الحركة الثقافية على بساطتها كحلول شهر رمضان والمولد النبوي الشريف أو موسم الحج حيث يجتمع الناس وتشرح فيها بعض أحكام الصوم والحج وتسرد سيرة النبي وأصحابه كما أن هناك مناسبات يلتقي فيها الناس من مختلف الطبقات كالجنائز التي يتذاكر فيها الناس أحوالهم.
كما كانت هناك الوعدات مثل (وعدة محمد بلقاسم ووعدة الشيخ بختي ووعدة بلخير بوشفرة) حيث تتميز ولائم المنطقة ببعض المأكولات المحلية المعروفة مثل (الطعام، الشخشوخة، الروينة، المسمن، البغرير). وقد كانت هذه المناسبات فرصة للشعراء لإظهار بلاغتهم وقوة حضورهم ومنهم الحاج يحيى بختي والشيخ العسلي والشاعر أحمد بن ماضي.

كما أن للأسواق دور كبير في نشر بعض جوانب الثقافة الشعبية من قبل الشعراء والمداحين والقصاصين. ولا ننسى للمرأة في الحياة الثقافية للمنطقة من دور إذ كانت تستأثر بصناعة الزرابي والبرنوس والقشابية وتعتبر الصناعة النسيجية التقليدية من ما تزحر به هده المنطقة ويمكن أن نقرأ فيها الذوق العام للمنطقة فيما يتعلق بالتزيين وغير ذلك من مظاهر الفن لمجتمع شعبي فهي معروفة بحليها مثل ( المدور، الملحفة، المحرمة، القندورة، العمامة، والحذاء الأحمر البوسعادي).

ولا يزال أهل حد السحاري يحافظون على صفات العرب الأوائل ، فهم كرماء ، غيورون على عروبتهم وعرفهم وهم مغرمون بحفظ القرآن الكريم ، ويحترمون رجال العلم وكبار القبيلة ويخضعون لهم طائعين ، ولا يزالون لحد اليوم يمثلهم رجل تشتمل فيه صفات كثيرة ، فيجعلونه كبيرهم وسيد قبيلتهم ، يحفظ نظامهم ويحل نزاعاتهم التي تحدث بينهم.
هذه هي ملامح الثقافة المحلية لبلدة الشاعر وهي ثقافة شعبية تغلب عليها الثقافة البدوية عايشها الشاعر في حياته إلى اليوم.

** نقلا عن أطروحة الماجستير بجامعة الجزائر (بن يوسف بن خدة) 2004-2005، بتصرف يسير

 69 المشاهدات,  1 شوهد اليوم

الوسوم:, ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *